بحمد الله تعالي تلقيتُ- كما تلقى ملايين الشعب المصري في الداخل والخارج- مشروع الدستور الجديد الذي يتوج مرحلة من أخطر المراحل التاريخية لشعبنا المصري العظيم، سهرت حتى شروق الشمس أتابع فعاليات الجلسة التاريخية للتصويت على مواد مشروع الدستور.

 

وفي اليوم التالي حصلت على نسخة من مشروع الدستور منشورة في صحيفة الأهرام شممتُ فيها عطر الحرية والكرامة، وتأملتُ نصوص مواد المشروع وكأن حروفها كتبت بدماء شهداء ثورة مصر ومصابيها ودموع ذويهم وتضحيات شعب عظيم طال بذله وصبره وتحمله طيلة عقود عديدة، هي إذن ليست مجرد نصوص صماء، بل هي روحٌ تسري في أوصال الدستور الجديد.

 

أدهشني كثيرًا ديباجة الدستور وهي ما قبل المواد وتعكس روح الشعب الذي ضحى من أجل إصدار هذا الدستور، الذي يبشر بميلاد فجر جديد يليق بمصر الحضارة والتاريخ التي قدمت للبشرية أول أبجديات الكتابة، وأتمنى أن تتاح الفرصة لكل مصري لأن يطلع على مشروع الدستور وأن يحرص على مدارسته بروية ومهل حتى يدرك حقيقة ما حوته النصوص من أحكام وحقوق وحريات ونظام، وسبق لي أن كتبت عن بعض المكونات الأساسية في الدستور الجديد، وأخصص مقال اليوم عن جانب مهم جدًا من الدستور، وهو المتعلق بالحقوق والحريات العامة في الدستور الجديد، وأود تأكيد أمرين مهمين: الأول منهما أن انتهاك حقوق الإنسان العامة كان الدافع الأساسي والمحرك الرئيسي للثورات ومنها ثورة الشعب المصري.

 

هذا أمر اتفق عليه كل أهل الرأي والعلم، لم يشذ عنهم عاقل، فانتهاك حقوق المواطن المصري خلال عهد مبارك المخلوع كان الوقود الأساسي لتفجير الثورة، انتهاك حقه في التعبير عن رأيه وحقه في العمل وحقه في التعليم وحقه في الصحة والعلاج، حقه في ممارسة شعائر دينه دون خوف أو ملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية، حقه في الترشح للمجالس النيابية ومباشرة حقوقه السياسية على أسس ديمقراطية تتفق مع المعايير الدولية من النزاهة والشفافية.

 

ولقد شهد العام الأخير من حكم مبارك ذروة الانتهاكات الشنيعة لحقوق المصريين، حالات القتل والتعذيب على أيدي أجهزة الأمن المصرية وتحول مراكز الشرطة إلى سلخانات ضجت جماهير الشعب بالشكوى منها، ثم كانت انتخابات مجلس الشعب وقبلها مجلس الشورى كاشفة لكل عورات ومساوئ نظام مبارك، وكان شعور المواطن بانسداد الأفق أمامه فلا أمل في التغيير والإصلاح والانعتاق من هذا النظام القمعي والتحرر من كل أشكال الانتهاك اليومي لحقوق المصري.

 

كل هذا فجر براكين الغضب في نفوس المصريين فاندفعوا يكسرون حاجز الخوف ويسقطون دولة الرعب، وينتزعون حقوقهم المسلوبة فكانت ثورة هزت عروش الطغاة ليس في مصر وحدها، بل امتدت توابع الثورة المصرية لتصل إلى دول كثيرة، في لبيا واليمن وسوريا والبحرين والأردن والمغرب وأخيرًا العراق لتؤكد أن قضية حقوق الإنسان العربي لا تنازل عنها وأنه حان وقت التغيير وهبت رياح الحرية.

 

الأمر الثاني:

من الطبيعي أن يكون احترام حقوق الإنسان أول وأكبر ثمرة تجنيها الشعوب الثائرة عقب نجاح الثورة. نعم كما كان انتهاك حقوق الإنسان هو مفجر الثورات، كان احترام حقوق الإنسان هو أول أهداف الثورات وغايتها، وكانت نسائم الحرية والكرامة الإنسانية أولى ما تنسمته الشعوب الثائرة، وتظل حقوق الإنسان الأساسية مقاصد للثوار والإصلاحيين وهم يؤسسون نظام الحياة الجديدة التي نبتت ورُويت بدماء الشهداء والجرحى وصانها الملايين من أبناء الوطن الثائر الحر، ويتطلع الجميع اليوم إلى نظام جديد يقدس حقوق الإنسان وتشيع في أرجائه وجنباته ثقافة احترام حقوق الإنسان وكرامته.

 

ويتمثل ذلك في وجود حاكم ونظام لا يحترم حقوق الإنسان فحسب، بل هو يتبني المشروع برمته ويعمل جاهدًا على تكريس نظام يقدس حقوق الإنسان.

 

منظومة متكاملة من التشريعات واللوائح التي تقدس نظام حقوق الإنسان، وثقافة جديدة ترسخ مفاهيم وقيم احترام حقوق الإنسان.

 

شعب تغير وتحول إلى ممارسة صحيحة لحقوق الإنسان، كان يطالب بها ودفع ثمنها والآن آل الأمر إليه فليبدأ عهدًا جديدًا من الممارسة والسلوك الصحيح وقد جاء الدستور الجديد ليعبر عن هذين الأمرين ويؤكد قدسية حقوق الإنسان وحرياته العامة، وكان واضحًا أن أحد المقومات الأساسية للدستور الجديد هو حماية وتقرير حقوق الإنسان وحرياته العامة وأن تلتزم الدولة المصرية من خلال سلطاتها العامة بأن تتحول النصوص الواردة في الدستور الجديد إلى واقع ومناخ ونظام حياة يصبغ مصر كلها ويشمل كل المواطنين.

 

ويكفي أن يعلم المواطن المصري أن أكثر من 59 مادة من مواد الدستور الجديد قد اشتملت على أكثر من 70 حقًا من الحقوق والحريات العامة التي كفلها الدستور الجديد لكل المواطنين المصريين دون تمييز بينهم أو تفرقة، وهذه الحقوق المنصوص عليها شملت واستوعبت كل الحقوق الدستورية التي سبق أن احتوتها الدساتير السابقة بدءًا من دستور 1923 مرورًا بدساتير الحقبة الناصرية وانتهاءً بدستور 1971.

 

ولا أبالغ إذا قلت إن كل الحقوق التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من ديسمبر 1948 وقد حوي 30 مادة تقرر حقوق الإنسان، وكذلك كل الحقوق التي وردت في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966، وكذلك البروتوكولان الاختياريان للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية اللذان صدرا عامي 1966، 1989 أقول كل الحقوق والحريات العامة التي وردت في المواثيق الدولية قد احتواها الدستور الجديد، وكان حريًّا بالتيارات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني أن تسهم بمناقشات جادة وفاعلة في اتجاه تكامل منظومة الحقوق والحريات العامة في الدستور الجديد.

 

أستطيع الآن القول إن الباب الثاني من أبواب مشروع الدستور الجديد وهو الخاص بالحقوق والحريات (الحقوق الشخصية، والحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية) يُعد مفخرة لهذا الجيل الذي صنع الدستور وللأجيال القادمة.

 

ولم يتوقف الأمر عند مجرد النص على هذه الحقوق العامة والحريات، بل جرَّم كل اعتداء على أي من الحقوق والحريات المكفولة في الدستور واعتبر هذا العدوان جريمة لا تسقط عنها الدعوى الجنائية ولا المدنية بالتقادم، بل تكفل الدولة تعويضًا عادلاً لمن وقع عليه هذا الاعتداء، وقرر الدستور للمضرور الحق في إقامة الدعوى الجنائية عنها بالادعاء المباشر، وقرر ذات الحق للمجلس القومي لحقوق الإنسان أن يبلغ النيابة العامة صاحبة الدعوى الجنائية عن أي انتهاك ترد على هذه الحقوق والحريات، وهذه ضمانات مهمة يُنص عليها في الدستور الجديد لحماية وصيانة كل الحقوق والحريات العامة كما ورد النص في المادة 80 من مشروع الدستور الجديد .

 

ومن الضمانات المهمة التي استحدثت في الدستور الجديد ما ورد في المادة رقم 81 من المشروع؛ حيث نصت على أن "الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا، ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها، وتمارس الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المبادئ الواردة في باب الدولة والمجتمع بهذا الدستور ".

 

بإيجاز أقول هذا دستور ينتصر لحقوق الإنسان المصري وحرياته، ويتوسع في تقرير الحقوق والحريات التي يكفلها هذا الدستور، ويضع لها ضمانات دستورية لحمايتها وضمان عدم المساس بها أو تعطيلها أو الانتقاص منها وغل يد التشريع أن تفعل ذلك.

 

مواد مشروع الدستور أسقطت دعاوى الزيف والتضليل التي مارستها بعض الأقلام والأبواق طوال الفترة الماضية وهي تكيل بالكذب والبهتان وتدعي أن الدستور الجديد يكمم الأفواه ويكبت الحريات ويصادر الحقوق ويعود بمصر إلى ما قبل الثورة بمراحل، وأغلب الظن أنهم اطلعوا على مواد الدستور وعرفوا ما فيه، لكنهم يكتمون الحق وهو يعلمون، وليس هذا بمستبعد فلقد سبق لبعض طوائف البشر أن عرفت الحق في كتاب الله تعالي القرآن الكريم ومع هذا كانوا يكتمون الحق وينكرونه وهم يعلمون، استغربت كثيرًا من تصريحات الدكتور البرادعي وهو يقول إن الدكتور مرسي يطرح للاستفتاء دستورًا يعصف بحقوق المصريين وحرياتهم، وبضيف:

 

وم بائس وحزين وكأن ثورة لم تقم وكأن نظامًا لم يسقط، الحق سينتصر "وليس في كلام الدكتور البرادعي قول صحيح إلا ما ورد في الختام أن الحق سينتصر، وأضيف وأن الكذب والبهتان والتضليل إلى زوال وسينكشف أمره ويعلمه الشعب المصري والرأي العام العالمي وعسى أن يكون قريبًا .

---------------------------------

* المحامي بالنقض والدستورية العليا