ساعات مهيبة تلك التي جلستُ فيها وجلس المشاهدون أمام التلفاز لمتابعة بث أحداث التصويت على مسودة الدستور النهائية بواسطة أعضاء اللجنة التأسيسية البالغ عددها 85 عضوًا لإقرارها ثم رفعها للأستاذ الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية.

 

أن تشاهد دستورك وأن تسمع مواده ونصوصه وتشاهد عملية التصويت عليه بواسطة أعضاء اللجنة المنتخبين، كل هذا يشعرك بأنك أنت أنت بنفسك الذي تضع دستورك وتصنع دستور بلدك، هذا الحدث يشعرك ويلقي في روعك جلال المشهد وعظمة الموقف وبهاء اللحظة وجمالها، في هذه اللحظات يقشعر بدنك وتعلو روحك ويسري في عروقك شيء يهز أعضاء جسدك.

 

هذا الدستور الذي يصوت عليه الآن يشاهده العالم أجمع فيعلم أن في مصر أبناء لها حريصون على إخراج دستور رائد يليق بدولة كبيرة مثل مصر، دستور يتحدث عنه العالم كما تحدث عن تفرد الثورة المصرية، دستور يتباهى به المصريون أولاً في الحقيقة لأنه ينص على الحرية والكرامة الإنسانية والعيش والعدالة الاجتماعية، والمسكن والوظيفة، والتعليم والعلاج، ومحاربة الفساد والفصل بين السلطات.

 

هذا الدستور ليس تبديلاً أو تغييرًا لكلمات في دستور سابق إنما هو دستور بطعم الثورة ولونها، معظم من شارك في كتابته هو ابن الثورة سواء كان في الميدان أو عقلاً لها يوجه وينافح عنها, وأنا أظن أن معظمهم ممن شاهدناه وشاركنا في يوميات الثورة المجيدة، من كتبه أو شارك فيه عن قرب أو بعد هو أحد هؤلاء إما رجل مظلوم أو مكلوم أو مقهور أو أب لشهيد أو أم لمصاب أو متطلع لحرية أو عاشق لكرامة أو مبتغٍ لعزة، هذا الدستور مليء بمواد جديدة في شتى نواحي الحياة تخص الوطن والمواطنين فرأينا مواد تخص ذوي الاحتياجات الخاصة ووفى مرسي بوعده لهؤلاء في هذا الجانب، ورأينا مواد تتولى رعاية أسر الشهداء والمصابين، والأجمل من ذلك المواد التي تتحدث عن تخصيص جزء من الناتج القومي للصحة والبحث العلمي ونتمنى أن نجد ذلك في التعليم، وأخص البحث العلمي بطرفة حقيقية أن أحد فلول النظام السابق، قال لنا في يوم من الأيام أن كل باحث له عندي ثلاثة جنيهات للبحث العلمي، فصعقنا من ذلك وعندما ناقشنا الموضوع وجدنا أن أغلب المخصصات إنما هي رواتب وأجور، نعم أن يهتم بالحث العلمي وأن ينص عليه في الدستور لا كلمات ميتة بل مخصصات سنوية من الناتج القومي نتمنى زيادتها كل فترة حتى تعود لمصر ريادتها في البحث العلمي، إن ذلك لأمر جيد وبداية طريق حقيقية.

 

من العجب العجاب والدليل على زيف المغرضين المناوئين لهذا الدستور الذين كانوا يريدون أن يكتبوه بأنفسهم فقط دون غيرهم ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون، سلامة لمصر وأهلها، من العجب أننا لم نجد ما ادعوه من مواد وما سطروه في صفحات الجرائد من زيف وأباطيل، فلم نجد زواج البنات في التاسعة من عمرهن، ونتساءل لم عقدت المناظرات والجلسات حول زواج الإناث مبكرًا، إنها حاجة ليست في نفس يعقوب بل في نفوسهم هم، ولم نقرأ كلمة واحدة منطوقة أو مفهومة تشير إلى دفع المسيحيين للجزية، فهل فعلوا ذلك حتى يستميلوا إخواننا المسيحيين تجاههم، إن أرادوا ذلك فبئس الصنيع صنيعهم، وهم في هذه الحالة ليسوا أمناء على الوطن، ولم نشاهد نصًّا يتكلم عن إجبار الناس على دفع الزكاة، ولا جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكننا رأينا دستورًا محترمًا في مواده، رائدًا في تقسيماته.

 

إنني أدعو شعب مصر العظيم للخروج الكبير يوم الاستفتاء على الدستور لا ليقول نعم وألف نعم فقط ولكن ليدفع غيره إلى أن يعيش اللحظة ويؤيد دستور مصر الجميل.
الانتهاء من الدستور حتمًا مرحلة وتنتهي، يليه عملية البناء والتنمية مباشرة دون نظر إلى مثبطين أو معطلين للفكرة "انطلق ولا تلوي" ولكن توقف لتسمع للجادين، انتظر لتقيم وتصحح، إنها مرحلة بناء الدولة والمجتمع التي تتسع وتستوعب الجميع الذين يريدون لمصر انطلاقًا ويتمنون لها رفعة ومقامًا، لا بد أن تسير عجلة الإنتاج بأقصى سرعة ممكنة حتى نعوض ما ما فاتنا وخسرناه وفقدناه في الأيام الماضية، وعلى كل مصري غيور على بلده أن يضع أو يساعد في وضع لبنة في جدار بناء مصر الحديثة دون أن ينظر ماذا قدم غيره، أو ينتظر ماذا يقدم غيره، نريد لمصر أن تكون في مصاف الدول الكبرى بموقعها ودستورها وتقدمها ورئيسها، نريدها كبيرة بأشقائها، عظيمة بنهضتها، متفردة بوحدتها الوطنية.

 

أخيرًا هنيئًا ثم هنيئًا لأعضاء اللجنة التأسيسية ومن شارك في لجانها بالرأي والمشورة أو من دافع عنها، أقول لهؤلاء لقد قدمتم عملاً عظيمًا لوطنكم ولأنفسكم، وأتخيل وقت أن يسأله ربه: ماذا صنعت في عمرك؟ ماذا قدمت في دنياك؟، فإن قال يا رب يا رب ستة أشهر من عمري أجتهد في إعلاء كرامة الإنسان، وتوفير لقمة عيش بوظيفة حرة شريفة، وإعلاء قيمة التعاون والعمل، وبناء المجتمع ونهضة الأمة، لا.... لا.... أظن إن شاء الله أنه عنده الكثير مما يقوله أمام ربه.

 

إنها كرامة للدكتور مرسي رئيس الجمهورية أن يكتب دستورًا هو يباشره، وكرامة للجنة التأسيسية وكرامة لمن شارك برأيه وعلمه وجهده، كرامة لمن شاهد وعايش كتابة الدستور والاستفتاء عليه.

 

والله ولي ذلك والقادر عليه وهو المستعان وعليه التكلان.

---------

* نقيب الزراعيين- القاهرة