الحمد لله.... بعد ذهاب كل يوم وبعد انجلاء الغبار عن كل موقف يتضح توفيق الله لقيادة الإخوان وعمق الفهم ووضوح الرؤية وحسن قراءة الأحداث عند تلك القيادة، ويمكن أن ندلل على ذلك من خلال الأحداث السابقة كما يلي:
أولاً: منذ نجاح الثورة وقيادات الإخوان بحسها التاريخي وبعمق تجربتها التربوية تنصح الإخوان بأن محنة الرخاء أصعب وأشد من محنة الابتلاء وحذرت قيادات الجماعة من الغرور الذي قد يصيب البعض والتطلع إلى زينة الدنيا التي قد تصيب النفوس وأن هذه المحنة قد تتساقط فيها رؤوس وأشخاص وهذا ما حدث للأسف الشديد... ولكننا تعلمنا أن نقرأ الخير دائمًا في كل حدث ولو كان محزنًا، وهذا الحدث يدل على أن القيادة ناصحة واعية حاسمة لها علينا حق الاحترام والتقدير.
ثانيًا: في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء؛ حيث غضب بعض الإخوان من عدم نزول الجماعة إلى الميدان- وانتبهت القيادة الواعية بفطنة وبحسن قراءة للأحداث أن هناك مخططًا يدبر بليل لجر الإخوان إلى الشارع وإراقة دماء وحرق ممتلكات ثم إلصاق التهمة بالإخوان في مرحلة قادمة.
وصدق ظنهم... فهل تصدقون أيها الإخوان أن موقعة الجمل التي شهدها العالم كله وشهد العدو قبل الصديق بشجاعة الإخوان فيها وأنهم هم الذين حمو الثورة في ذلك اليوم تخيلوا أنه يراد اليوم إلصاق التهمة بالإخوان... فما بالكم لو كان الإخوان موجودين في أحداث ملتبسة مثل أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، التي لا يدري من أشعلها ومن القاتل ومن المقتول كان بلا ريب سيتم لصق التهمة بالإخوان واتهامهم وحدهم بقتل الشهداء وحرق المجمع العلمي. ومن ثم تشويه الصورة وإقامة المحاكمات.
فنحمد الله أن عصم أيدينا وسمعتنا من هذه الدماء.
ثالثًا: ترشيح الإخوان للرئاسة- ويومها أيضًا غضب كثير من الإخوان- جاء بعد تيقنهم من خلال دلائل ومؤشرات واضحة وأخبار متيقنة أن هناك مؤامرة تحاك لإعادة النظام البائد والقضاء على التيار الإسلامي كله والتجربة الإسلامية الناشئة في مصر والتي في القلب منها الإخوان المسلمون، وليس أدل على ذلك مما يحدث الآن، فتخيلوا أيها الإخوان نحن الآن في الرئاسة والحكومة ونعاني كل هذا الأذى والابتلاء وسقوط الشهداء، فما بالكم لو كان خصومنا هم الذين في الحكم فما ظنكم أنهم فاعلون؟!.
وهل تتخيلون يا إخواني أنه كان يمكن لرئيس آخر القدرة على مواجهة الدولة العميقة التي يواجهها الدكتور مرسي الآن إن لم يكن وراءه صف كبير قوي منظم مثل صف الإخوان يستطيع دعم الرئيس حال الأزمات والتهديدات.
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتد لولا أن هدانا الله.
هذه الأحداث الرئيسية وغيرها تقودنا إلى تجديد الثقة بقيادتنا والافتخار بها حقًا والالتفاف حولها.
أما واجبنا في نصرة الدعوة فأراه من وجهة نظري في النقاط التالية:
1- تصحيح النية وتجديد التوبة كما كان يقول الفضيل بن عياض للمجاهدين "عليكم بالتوبة فإنها ترد عنكم ما لا ترده السيوف".
وإننا نصارع اليوم الأحزاب العلمانية بأعمالنا قبل عددنا وشهاداتنا، وأن طريقنا اليوم يريد القلوب الملذوعة قبل الأصوات المرفوعة.
وإن زيادة الارتباط بالله من خلال الذكر والقيام والصيام والإكثار من قول "حسبنا الله ونعم الوكيل" تسرع لنا بنصر السماء، فإن نجاحنا مرهون بقدر ما نحوزه من صلاح وتقوى وعبادة، وأن نرفع عقيرتنا بشعاراتنا: الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، وأن نظهر هويتنا الإسلامية واضحة بلا لبس في هيئتنا وكلامنا وأفعالنا.
2- لا بد أن يكون عندك أيها الأخ الكريم تصور صحيح لدعوتك وللأحداث الجارية حولك، حتى تستطيع الرد على الشبهات المثارة كل دقيقة ولا تنتظر التلقين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يلقن صحابته الرد على كل شبة ومسألة، بل كانت عندهم آيات قرآنية قليلة، لكن معهم فهم عميق، وانظروا إلى جعفر بن أبي طالب وهو وحده في الحبشة وليس عنده الرسول يلقنه كيف هزم داهية العرب عمرو بن العاص، وانظروا أيضًا إلى الرد المفحم لسيدنا ربعي بن عامر على رستم قائد الفرس حين قال له "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" وأنا أجزم أنه لم يسمعه نصًا من رسول الله وإنما قاله فهمًا من دعوته.
فاشحذ همتك وتفهم دعوتك واعلم أن دعوتنا تهدف إلى تكوين أخ: عامل مفكر منتج جريء، وليس تابعًا كسولاً ينتظر وضع الكلام في فمه، وكن ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنَّ اللهَ يحبُّ البصرَ الناقدَ عند ورودِ الشُّبُهاتِ، ويحبُّ العقلَ الكامل عند حلولِ الشَّهواتِ" رواه البيهقي.
3- الطاعة للقيادة والثقة فيها فالمرحلة القادمة شديدة الالتباس وسريعة الأحداث، وقد لا تتمكن القيادة من توضيح كل حركة وموقف نتيجة سرعة الأحداث التي قد تحتاج إلى قرارات فورية، وأريد بالطاعة هنا مفهومًا خاصًا هو "أن تفعل ما يتفق عليه لا ما تقدر عليه" فلو ترك المجال لكل أحد أن يفعل ما يقدر عليه لانفلتت الأمور وكثرت المشكلات، وأي خطأ من أي فرد ستوصم به الجماعة كلها، فلا تفعل شيئًا يضر بإخوانك من بعدك، ولتكن أسوتك في ذلك الشهيد إسماعيل الفيومي الحارس الشخصي لعبد الناصر والذي كان يرافقه ليل نهار وفي جيبه سلاحه مجهزًا وهو يسمع ويرى ما يقع لإخوانه من تعذيب وقتل، فلم يقدم على أي فعل فردي- وهو يقدر- يزيد الأذى بإخوانه، فاحتفظ برصاصته في جيبه وبألمه في قلبه حتى أدخل الدكتور محمد مرسي قصر الرئاسة.
وطاعتنا طاعة مبصرة تسميها الأحزاب الأرضية الالتزام الحزبي ونسميها نحن الطاعة تبركًا بألفاظ القرآن فهي "من الإيمان تنطلق، وبقواعده تسترشد، وإليه تعود، وليست هي استكانة خاضع راهب، ولا تملق طامع مصلحي راغب، إنها طاعة إسلامية مميزة، ليست ككل طاعة، يعتبرها الدعاة ركنًا في إيمانهم، لا كمال له بدونها، ويعتوره النقص بفقدانها. ولذلك يسوغ من أجلها اتهام العقل عند اختلاف الاجتهاد، والضغط على القلب عند نداء الرغبات، حفظًا لهذا الإيمان من أن ينثلم" (العوائق للراشد).
ويقول عنها ابن تيمية: "إن من لوازم الاجتماع السمع والطاعة، فهما العمود الفقري لكل أمة، فلا يدفع عدو ولا يحصل خير أو يدفع شر إلا إذا كان السمع والطاعة خلقًا متأصلاً في كل أفراد الأمة".
وطاعتنا ليست لفرد، بل لمؤسسات الجماعة المتمثلة في مكتب الإرشاد، ومجلس الشورى، ووحدات الجماعة الإدارية، ويصعب أن تجتمع كل هذه العقول على خطأ. وكذلك فإن أعمالنا ومواقفنا تسير وفق آلية شرعية سليمة وهي الشورى.
4- من أدبياتنا بوصفنا إخوان مسلمين أن أفضل ما يصحح خطونا وينقي فكرنا ويصوب رأينا هو النصيحة، فلا يبخل الأخ على إخوانه بالنصيحة إن رأى اعوجاجًا من وجهة نظره ولا يبخل برأي، وإن كان بسيطًا إن شعر أن فيه نفعًا، ولكننا نحن لنا أدبياتنا ووسائلنا، فلا ينبغي أن نتأثر بأدبيات ووسائل العلمانيين في التعامل والتعبير عن الأفكار والاعتراضات، فإنهم مثلا يعتمدون في عرض أفكارهم واعتراضاتهم على ما يسمونه "النقد" ونحن نسميه "النصيحة" فالدين النصيحة، وشتان بين الأسلوبين في اللفظ والمعني، فالأول يعتمد على الهجوم الشخصي الصريح والتجريح المباشر والألفاظ الهابطة بحجة حرية الرأي، وأما النصيحة عندنا فلها ركنان: الأدب الجم، والدليل الواضح. فلا تجريح بحجة حرية الرأي ولا سفسطة كلامية وادعاءات كاذبة بلا دليل أو برهان. بل عرض الأفكار وإبداء الملاحظات والتعبير عن الاعتراضات لكن في جو من الأخوة والاحترام والأدلة الداعمة وفي مكانها الصحيح ووقتها المناسب.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ مصر وأهلها وأن يجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأن يحفظ رئيسنا الدكتور محمد مرسي وأن يجري الله الخير على يديه والحق على لسانه وأن يفتح له قلوب الناس، وأن ينصر به دينه وكتابه وسنة نبيه... اللهم آمين.