طلبات رجل الشارع مختلفة عن إلحاحات النخبة المريضة، وبمرور الوقت تتسع الفوارق بين رغبات الاثنين، ومن هنا وجب التنبيه على مؤسسة الرئاسة أن تواصل قراراتها الدراماتيكية، بحيث تكون رسالتها للنخبة أن تستقيم فقد نفذت الرئاسة كل وعودها السياسية والآن يجب أن تلتفت لوعودها للشعب.

 

كانت وعود "الرئيس" للقوى السياسية تتلخص في:

-          تكليف رئيس وزارة مستقل, ومن خارج "الإخوان" و"حزب الحرية والعدالة"، وقد نفذت الوعد.

-          تشكيل وزارة تكنوقراط مستقلة بعيدة عن التوجهات الحزبية، وقد كان.

-          فريق مستشاري الرئاسة ومساعدوه ونائبه من مختلف القوى السياسية والأطياف المصرية، وقد كان.

-          قيادة صراع متكافئ مع "المجلس العسكري" لتمكين الحكم المدني، وكانت النتيجة في هذا المحور أعلى من أمنيات الجميع؛ وذلك بإسقاط الحكم العسكرى نهائيًّا دون قطرة دم، ودون ثمن سياسي.

-          أن يكون رئيسًا للجميع ولا ينحاز "للإخوان" أو حزب "الحرية والعدالة"، ولا يستطيع أحد أن يوجه اتهامًا "للرئيس" بمحاباة الجماعة أو الحزب سواء قانونيًّا أو سياسيًّا، بالإضافة إلى أن تشكيل "الجمعية التأسيسية" جرى قبل تنصيبه، وبشهادة الجميع فإنه لم يتدخل لفريق دون فريق في أهم الأعمال التي تظهر الميل والانحياز، وهو عملية إنتاج الدستور الجديد.

 

أضاف الرئيس حزمة من الأعمال التي تدركها النخبة والقوى السياسية، والمتعلقة بالسعي الجاد لاستعادة المكانة الدولية والإقليمية والإفريقية "لمصر"، والتصدي للإجرام التخريبي والصهيوني في "سيناء"، وإضفاء حالة من البرود الإستراتيجي على العلاقة مع الصهاينة دون توريط مصر في مواجهات لم تستعد لها بعد, ثم كانت المواقف الرئاسية الرصينة من الاعتداء على "غزة" والتي أعادت "مصر" لموقع الفاعلية في قضيتنا الأولى (فلسطين)؛ مما حدا بالأمريكان أن يلجأوا لمصر لحل الأزمة, وكان إعلان الهدنة من "القاهرة", وكانت- كما رأى الجميع- هدنة بطعم النصر للمقاومة؛ بسبب مباشر لأداء الدبلوماسية المصرية.

 

كما اهتم "الرئيس" بتسطير رسائل واضحة في منظومة الاهتمام بكرامة المصري والتي تبدت في التصدي لكل إهانة يتعرض لها المصريون بالخارج، واستعادة الصحفية المصرية من الاحتجاز "بالسودان" على طائرته، وأعطى "الرئيس" مثلاً بالغًا في السكوت عن نقده الذي وصل للتجريح والتشهير، بل ورفض أن يسجن الصحفي الذي أساء إليه وأصدر عفوًا عنه.

 

وطلبت النخبة من "الرئيس" أن يتحدث معها أسبوعيًّا كما يتحدث الرئيس الأمريكي، فخرج عن صمته وأصبح له حديث أسبوعي عبر زيارة سياسية أسبوعية تبدأ بصلاة الجمعة في محافظات "مصر".

 

وطلبت النخبة من "الرئيس" الثأر للشهداء, ومع الأحكام المخيبة للآمال التي رعاها النائب العام (السابق) بذل الرئيس جهوده عن طريق مساعديه لتصحيح منظومة النيابة فاستقوى النائب العام (السابق) بنفس النخبة التي طالبت بإسقاطه, فناصرته (كيدًا) في "الرئيس" وكانت هذه لحظة فارقة في علاقة الرئيس بالشارع المصري الذي رفض أن يكون رئيسه المنتخب (ضعيفًا), لقد انقلبت النخبة على أعقابها لأغراضها السياسية وشوهوا كل الإنجازات ولم يبادلوا "الرئيس" جهدًا بجهد, ولا وعدًا بوعد، فلم يساندوه في محاربة الفساد بل طيروا الإشاعات عن فساده وعائلته ومساعديه زورًا وبهتانًا، ولم يقفوا معه في إصلاح الوضع الاقتصادي بل تسابقوا ليصدوا المستثمرين عن القدوم إلى "مصر" وتحذيرهم من ضياع استثماراتهم بسبب سوء الأوضاع, ولم يساعدوه في مساندة "الأمن" بروحه الجديدة بل تصيدوا الأخطاء وافتعلوا الاحتكاكات ليظهروا أن "الأمن" يعمل بنفس عقيدته السابقة.

 

وفي المجمل فقد تحولت النخبة والقوى السياسية إلى أسد جريح تواق للغنيمة بعد أن نجح "الرئيس" في إسقاط حكم العسكر, ولم تعد هنالك عقبة حقيقية ولا ضغوط سرية تتعرض لها هذه القوى، فسال لعابها لتنافس بقوة على "تورتة الحكم"، ولم يكن لها سياسة إلا ما وجدته في "الفكر الأمريكي"، ولم تكن لها إستراتيجية إلا "التأزيم" وكلاهما قد شرحناه في مقالات سابقة، وتأتي القرارات الثورية الأخيرة لتعمق جراح النخبة وتبطل مفعول خطتها في إفشال "الرئيس", وعلينا أن نترقب إعصارًا من (شق الجيوب ولطم الخدود والخوف من الدكتاتورية الدينية وانهيار الصرح القضائي و.... و....إلخ)!!

 

ولكن المراقب سيجد أن علاقة "الرئيس" بشعبه قد تغيرت بعد واقعة النائب العام السابق، وأصبحت مطالب الشعب الملحة تكمن في الآتي:

 

أولاً: الشعب يريد رئيسًا قويًّا، وجرى على الألسنة "فوائد الاستبداد"، وأن "البلد سايبة"، وأن "المركب ستغرق"، ومن هنا وجب على الرئاسة أن تتنبه لأشواق العامة التي تريد رئيسًا يصطدم- ولو ببعض الإجراءات الاستثنائية- بالفساد الذي يهدد كل برامج الإصلاح.

 

المطلوب من "الرئيس" أن ينزل لملعب السياسة، وأن يجيش القضاة المستقلين بعد إسقاط "النائب العام"، وأن يجيش القيادات الوسطى في الشركات لإسقاط القيادات الكبرى الفاسدة والمتآمرة على شعبها، وأن يطرح المشروعات الاقتصادية, ثم ليطرق بيد من حديد على آكلي أقوات الشعب، والناس لن تغضب إذا اعتقل "الرئيس" مهربي السولار وحقائب الأموال، وعلى "الرئيس" ألا يخشى من ابتزاز المستثمر الأجنبي الذي سيهدده بضرورة مراعاة "حقوق الإنسان"، فالمقطوع به أن إيقاف أنهار الفساد والنهب المنظم في هذه الآونة سيغنينا عن سؤال اللئيم، وغدًا حين تستقر الأوضاع سيهرول المستثمر إلينا.

 

ثانيًا: الشعب يريد "خطة الرئيس"؛ لأن الجميع أصبحوا على يقين أن البلد لن ينصلح حالها بين يوم وليلة لكنهم يريدون رؤية (البشائر)، لذا على "الرئاسة" أن تطرح مشروعاتها الكبرى، التي أعلم علم اليقين أنها على مكتب "الرئيس"، وأن يصارح الناس بالتضحيات المطلوبة, وأن يطالبهم بربط الحزام والصبر لمدد محددة والانتظام في العمل، وألا يرده عن ذلك سراب الوعود من الأنظمة السابقة، فالحكم في النهاية لن يكون إلا بوعود من الحاكم ورضا من المحكومين، فإذا نفذها أيدوه، وإذا فشل أبعدوه.

 

وعلى "الرئيس" أن يتخلى عن حرصه- المبالغ فيه- على استقرار الأوضاع، وعليه أن يلقي كرسي الرئاسة وراء ظهره، فالكل يعلم أن "الرئيس" هو رمانة الميزان في البلد, وأن تحمله لكل هذه الضغوط بسبب حجم المسئولية الملقاة على عاتقه, ورغم ذلك فعلى "الرئيس" أن يتململ قليلاً عن هذه الفكرة، وعليه أن يتحلى بنفس جرأة قرارات 22/11 وأكبر قدر من العناد لتحقيق مشروعه، وليأتي إلى مقعد الرئاسة من يأتي، والذي يريده الشعب فليأتي به الشعب، ولا ينبغي للرئاسة أن تحتمل بين جنباتها كنوزًا من الأسرار والضغوطات ولا تصارح بها الجماهير خشية انفلات عيار من انكشفت سوءاتهم؛ لأن الأوضاع لن تصل في تخريب الوطن أشد مما هي الآن، فعلى "الرئيس" أن يعتصم بشعبه بعد ربه، وأن يعد خطة حرب ضروس يتجاوز فيها الموائمات التقليدية، ويدشنها ثورة جديدة للفقراء والطيبين والخائفين, وأن يلقي بالنخبة وراء ظهره مؤقتًا، فلقد اختُبروا وفشلوا، وعلى المؤسسات الرسمية أن نقف بكل حزم مع الرئاسة، سواء الإعلام الرسمي، أو"الأزهر" الذي ينبغي أن يقوم بدور مشهود في الحفاظ على الكيان الوطني، و"الكنيسة" التي أقلقتنا بأول قرار "للبابا" الجديد ؛وهو الانسحاب غير المبرر من "التأسيسية" والمشاركة في تأزيم الأوضاع، فعلى "الرئيس" أن يكون حازمًا مع "البابا"، وأن يطلب منه المساندة الواضحة بلا تردد، وأن يأخذ وعدًا منه بالكف عن شق صف الوطن والتخندق الكنسي للأقباط، وأن يوجه بوصلة البابا للتوحد الحقيقي ويكفي ما قد مضى.

 

على الرئيس أن يقود ثورة تصحيح، وأن (يطور) القتال "بلغة العسكريين".

 

سيادة "الرئيس"، عليك أن تعلم أنك ربما تكون أملاً أخيرًا في إصلاح جذري للأوضاع، ولو وصل مغامرو الفضائيات لحكم هذا الوطن، أو لأغلبيته التشريعية فاعلم أن حكم العسكر سيعود، وقبضة أمريكا ستشتد، وسيباع شعبك في سوق النخاسة العلمانية.

 

أكمل يا ريس، وصدقنا فإن الشعب سيؤازرك.

------------------

Mohamedkamal62@ymail.com