بعد أربعة أيام من العدوان النازي اليهودي على قطاع غزة الذي سموه "عمود السحاب" خرج آية الله محمود عباس، رئيس دولة المقاطعة في رام الله المحتلة، ليخاطب الناس، كانت أمامه الزهور الملونة، والميكروفونات المنسقة، والبهجة طافحة على جبينه، وهو يشرح كيف سيتعامل مع الأمر في الأمم المتحدة، والسياق الدولي!.
في الوقت ذاته كان إسماعيل هنية (أبو العبد) ينطق الشهادتين ويستعد لملاقاة ربه ويتوارى عن الأنظار، بعد أن اعتذر عن عدم مقابلة وزير الخارجية التونسي الذي كان في زيارة داعمة للقطاع وأهله، فقد أعلنت النازية اليهودية أنها تستهدفه، وستلاحقه بعد أن فشلت الزوارق اليهودية في قصف بيته بمعسكر الشاطئ بالقرب من مياه البحر المتوسط غرب القطاع!.
سبقت عملية عمود السحاب النازية اليهودية قصة انتشرت في الإعلام الغربي والعربي عن قيام تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية اليهودية سابقًا والقيادية بحزب كاديما، بالنوم في أحضان بعض القادة الفلسطينيين والعرب لانتزاع فوائد سياسية لصالح الكيان النازي اليهودي الغاصب!.
الحكاية لم تثر استغراب العرب، وما بين قائل إنها مفبركة، وناقل عن ليفني إنها على استعداد للقيام بعمل أي شيء من أجل الكيان اليهودي الغاصب، تاهت القصة في تفاصيل القتل والدماء والدمار اليومي الذي تقوم به الطائرات الفانتوم اليهودية، والحشد الضخم من الدبابات والمدرعات والآليات التي تقف على حدود القطاع وتتأهب لاقتحامه بعد الدعوة لاستدعاء خمسة وسبعين ألفًا من الاحتياط اليهود.. الدلالة العامة للقصة توحي أن العرب والفلسطينيين مهزومون من الداخل.
كانت مصر قد سحبت السفير المصري من تل أبيب فور بدء العدوان، وطلبت انعقاد مجلس الأمن الذي التأم بعد ساعات، وانعقاد مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية الذي تم بعد أربعة أيام (حكومة المقاطعة في رام الله طلبت انعقاد مجلس الجامعة على مستوى السفراء والمندوبين!).
أثنى العالم على موقف مصر الذي تحرك سريعًا على مستويات عديدة، عدا بعض القوى التي ترفض الإسلام وأهله، ولكن المسألة مرهونة بقدرة الفلسطينيين في غزة على المقاومة، وقد أثبتوا جدارةً ملحوظةً حين انطلقت صواريخهم إلى مشارف تل أبيب والقدس وبعض مغتصبات الضفة الغربية، فضلاً عن عسقلان وبئر سبع؛ مما دفع الغزاة اليهود إلى اللجوء إلى الخنادق، وفي مقدمتهم رئيس وزراء الكيان الغاصب وقادته العسكريون.
القوة العسكرية اليهودية فائقة، والقوة العسكرية الفلسطينية متواضعة، والفارق شاسع بين القوتين، ولكن قوة الإرادة هي التي تفصل في كل الأحوال.. اليهود مدعومون بأمريكا والغرب وروسيا، والعرب ينظر إليهم العالم بإشفاق ولا أقول باحتقار؛ لأنهم يُضربون ولا يتخذون مواقف تؤكد أنهم حريصون على مواجهة عدوهم مع امتلاكهم المال والسلاح والمصالح التي تهم من يدعمون اليهود ويساندونهم، وهو ما دفع وزير خارجية قطر إلى القول في مجلس وزراء الجامعة العربية يوم 17/11/2012.. إن العرب نعاج في مواجهة الذئاب!.
الفلسطينيون في غزة توحدوا في مواجهة العدو، ولكن رئيس رام الله ما زال في وادٍ آخر يؤمن أن الاستنعاج أمام الذئاب فريضة واجبة، وقد قال له بعض الفلسطينيين: أبوس يدك، اترك الفلسطينيين في رام الله يعبرون في مظاهراتهم عن تأييدهم لأهل غزة.. رئيس رام الله لا يؤمن بالمظاهرات ولا الانتفاضة ولا المقاومة.. يؤمن بشيء واحد فقط هو المفاوضات والمفاوضات إلى يوم الدين مهما ارتكب العدو من جرائم ومذابح ضد الشعب الفلسطيني!.
في الدول العربية تيار موالٍ للعدو يضم الشيوعيين وبعض فصائل اليسار والليبرالية، لا يخافتون بهذا الولاء، ويصبون جام غضبهم على حماس والفصائل الإسلامية المقاومة، ويرون أن التمسك بروح الجهاد كارثة على فلسطين ومصر والعرب.
ومع أنهار الدم وأصوات القصف وهدير الدمار لا يتورع بعض صبيان هنري كورييل من إدانة حماس، وتحميلها مسئولية العدوان النازي اليهودي، مثلما حدث في عدوان الرصاص المصبوب، واقرأ إن شئت لواحدٍ منهم يخلط الحق بالباطل حين يقول:
"لا شيء يدمي القلب مثل صور الشهداء الذين سقطوا في غزة نتيجة النيران (الإسرائيلية) وأخطاء حماس التي اختطفت القطاع بسكانه(؟) لتضعه في قبضتها وقبضة من والاها لتنفيذ سياسات مريبة، عمليًّا أدت إلى نتائج وخيمة على القضية الفلسطينية، أخطرها تحويلها من قضية وطنية قوامها الأرض والشعب إلى قضية دينية هلامية، وكما تبدو حماس مخترقة بالعملاء الذين يرشدون المخابرات (الإسرائيلية) إلى قادتها ومساراتهم بدقة بالغة. فإن خطط حماس مع حسن الظن مخترقة ولا تتجه أبدًا إلى مصلحة فلسطين وقضيتها، بل إنها تقدم الفرص الذهبية للمتطرفين (الإسرائيليين) لشن الحرب والدمار على الشعب الفلسطيني الأعزل في مواجهة (إسرائيل) ونيرانها وحماس وسياساتها الخطيرة التي تتجه الآن لإلحاق الأذى بالأمن القومي المصري..".
هذا التخليط الذي يبرئ العدو، ويتهم أشرف حركات المقاومة بعدم الإخلاص للقضية الفلسطينية ومصر، يمثل نموذجًا قبيحًا من نماذج الولاء للفكر الصهيوني الذي زرعه الخائن الصهيوني هنري كورييل في عقول وأفئدة الشيوعيين المصريين الذين اتبعوه ونفذوا تعاليمه، وكانوا أداة في يده لخدمة الغزو النازي اليهودي منذ عام 48 حين حرضوا عمال مطار القاهرة على الامتناع عن تزويد الطائرات المصرية بالوقود كي لا تسهم في مواجهة عصابات السفاحين اليهودية، مرورًا ببيانات استنكارهم لدفاع القوات العربية عن الفلسطينيين، وتحويلهم القضية إلى صراع بين البرجوازية العربية والبروليتاريا اليهودية.
إن صبيان هنري كورييل وأشباههم، لا يعنيهم أمر الشعب الفلسطيني ولا الشعب المصري، ولا سيناء التي ضيعها الطاغية جمال عبد الناصر مرتين بنضاله الحنجوري؛ لأن غايتهم الأولى هي بقاء الغزو النازي اليهودي آمنًا وسالمًا ينعم باحتلاله أرض المقدسات، ثم استئصال الإسلام من مصر وفلسطين والعالم العربي كي يهنأ العالم الغربي وأمريكا بعدم المقاومة.
لن ينجح الغزاة بإذن الله في قهر الشعب الفلسطيني، ولن ينجح أنصارهم من الشيوعيين وغيرهم، فالطريق إلى النصر قريب إن شاء الله، وهو طريق الجهاد، والحجارة التي من سجِّيل.