منظومة معقدة من المعطيات تمثل المشهد في غزة والمنطقة العربية والعالم بأسره خلال الخمسة أيام الماضية منذ بداية القصف الصهيوني الغاشم لغزة، وكأننا نتحدث عن مركز العالم، حقًّا هي كذلك إذا يمكن من خلالها قراءة الكثير من الدلالات المحلية والإقليمية والعالمية- أوليس دم الشهداء بغالٍ عند الله تعالى؟ أوليس لدم الشهداء الأبرار ثمن وثمار يحصدها أحياء الشهداء من بعدهم؟ بثلاثة وسبعين شهيدًا في أحد تغير وجه التاريخ الإسلامي والإنساني بشكل عام، وما زلنا كل يوم نقرأ ونكتشف ونتعلم الدلالات من آياتهم في آل عمران، وبالتأكيد سنظل ومن بعدنا إلى قيام الساعة.
في الدلالات والنتائج أفكر وأبحث لعل الله تعالى يفتح على واكتشف شيئًا مفيدًا نستعين به في تخطيط وإدارة مستقبلنا القادم أن شاء الله تعالى.
- تطور صواريخ الحق الفلسطينية ووصولها إلى القدس وتل أبيب ووضع الشعب الغاصب كله تحت نيران الحق الفلسطينية تغيير جذري في موازين المعادلة والقدرة على الحسم وكسر إرادة العدو الصهيوني وامتلاك القدرة على إنهاء الحرب الحالية بالشروط التي نريد، بالإضافة إلى امتلاك زمام المبادرة في تحديد بداية ونهاية الحرب في أي وقت قادم.
- تطور المضادات الأرضية والدفاعات الجوية للمقاومة الفلسطينية ودلالاته تأكيد للحرفية العالية جدًّا للمقاومة الفلسطينية وقدرتها المتنامية على استيعاب وتطوير تكنولوجيا الحرب، وكسر هيبة الطيران الصهيوني، ورسالة أخرى ضمنية للحكومة والجيش اللبناني النظامي بإمكانية فرض غطاء وسيطرة على سمائه المفتوحة للعدو الصهيوني والتي فرض بها معادلته على لبنان منذ عقود.
- التطور النوعي للاستخبارات الفلسطينية ودلالته والذي يظهر جليًا في عشوائية القصف الصهيوني واستهدافه للمباني والمقرات الحكومية الفارغة وصولاً إلى مقرات الصحفيين من دون أن يتمكن بحفظ الله تعالى أولاً وأخيرًا من الوصول إلى قيادات المقاومة ثم بالحرفية الاستخباراتية العالية للمقاومة، بالإضافة إلى التساقط المتتالي لعملائه في الداخل، في حين تصيب صواريخ الحق الفلسطينية أهدافها الإستراتيجية وتوصل رسائلها المرعبة للقيادة والشعب الصهيوني حتى وإن أخفت الأجهزة الصهيونية خسائرها حتى لا يموت ربع الشعب الصهيوني رعبًا.
كل ذلك ليعطى دلالات كبرى في إمكانية تفكيك شفرات ومشاريع إسرائيل الاستخباراتية في الداخل والخارج الفلسطيني، بل ومنافسته استخباراتيًّا بالرغم من قلة الإمكانيات المؤقت، مما يتطلب من العرب التعاون مع المقاومة وتقديم نوع جديد من الدعم هو الدعم الاستخباراتي ويمكن أن يتطور الأمر لأكبر من ذلك حين تؤسس وتفعل شبكة عربية استخباراتية متكاملة تمتلك إستراتيجية تشبيك واضحة وموجهة ضد عربدة إسرائيل في المنطقة
- المقاومة الفلسطينية تحت الاحتلال ترد بحسم وبقوة على عربدة إسرائيل ودولة السودان الشقيق الحر المستقل تشجب وتستنكر وتناشد و........الخ مما ألفناه وتجرعناه قبل ربيع الحرية العربي ليؤكد بالدليل العملي بعد آيات الله تعالى وتوجيهات قائد الأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، وليؤكد بالبرهان الساطع كيفية التعامل الصحيح مع هذا العدو الغاصب الجبان، الجريء فقط على من تخلى عن جزء من مبادئه وتقمص دور الاستضعاف.
- قوة اصطفاف ووحدة الشعب حول قيادته في غزة ودلالتها.
أولاً: أصالة وخصوصية المعدني الفلسطيني خاصة في غزة التي نشأت وتربت أجيالها الخمس الأخيرة في مدرسة القسام والحسيني وشيخ الشهداء أحمد ياسين.
وثانيًا: القدرات التربوية والتنظيمية والإدارية والقيادية العالية للسلطة الفلسطينية في غزة إذ تمكنت تحت كل الضغوط العالمية من احتضان شعبها والمحافظة على هويته وقوته وصلابته، وإدارة موارده المحدودة واستثمارها أفضل استثمار وكسر إرادة إسرائيل وتحقيق نجاحات مرحلية متتالية عليه، مما يفرض ويؤكد صلاحيتها دون غيرها لإدارة الصراع الفلسطيني- الصهيوني وصولاً للتحرير الكامل للتراب الفلسطيني.
الموقف المصري ودلالته
موقف تاريخي سجلته القيادة السياسية الجديدة في مصر ممثلاً في خمس إجراءات سياسية متوازية (سحب السفير وطرد الآخر وفتح المعبر والاتصالات الدولية ودعوة الجامعة العربية للانعقاد وزيارة وفد رفيع المستوى لغزة). لتتكامل وتضمن قوتها وفعاليتها في وقف الهجوم الصهيوني بأقل التكاليف الممكنة والمحافظة على استقرار المنطقة توفيرًا لمناخ وبيئة مناسبة لاستكمال مخططات التحرر والتنمية الداخلية يمكن عنونته بالحسم الحذر.
إنه وبامتياز نموذج عملي لرؤية عميقة للمشهد، وللاستثمار الأمثل للممكنات المتاحة.
وحدة وتماسك القيادة السياسية بشعبها من خلال تماهي القيادة السياسية وتعبيرها الحقيقي عن كل أطياف الشعب المصري، كما منح الساحة السياسية المصرية فرصة الاصطفاف والتوحد من جديد صوب هدف واضح وجلي هو قضتينا الفلسطينية، وأكد عودة مصر الكبيرة إلى موقعها الطبيعي في قيادة الأمة العربية، ووجه رسالة واضحة لإسرائيل بانتهاء عصر العربدة وما كان مباحًا قبل ذلك.
حقيقة الأمر هي رسالة مزدوجة لما حدث من اعتداء على السودان وغزة ولكنه جاء في الوقت المناسب، وإن تأخر قليلاً مع المشهد السوداني.
قيادة مصر والعرب للمشهد سيمكن حماس من الحصول على ما لم يمكن الحصول عليها سابقًا من أمد طويل للهدنة، وإنهاء كامل للحصار مما سيمنح الساحة الفلسطينية فرصة ترتيب الأوضاع الداخلية واستكمال بناء القدرات المستقبلية اللازمة لمشروع التحرير الكامل.
الموقف العربي ودلالته
التغير والتطور النوعي الكبير والارتفاع في سقف الطموح والتفكير والخطاب والقرار والفعل العربي وانتهاء عصر المكلمات العربية إلى قوائم حقيقية من مطالب المدد والعون السياسي والمادي الواجب التنفيذ، وإن شئت فقل العسكري لحماية وتحصين شعبنا في غزة.
ومن ثم انتهى عصر المزايدة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية، والميدان الآن هو ميدان الفعل وقد فعلتها مصر وقطر وتونس ومن ثم حتى الآن انكشفت البقية التي ما زالت متأخرة وتعيش في الماضي إن لم تدرك سريعًا. حقيقة تغير الأوضاع في المنطقة والعالم.
الموقف التركي المصري ودلالته
إعلان إقليمي عالمي بوحدة وتكامل مواقف قوتين ومشروعين من بين القوى والمشاريع الأربعة في المنطقة (تركيا ومصر وإيران وإسرائيل)، يؤكد ويضمن قوة الفعل العربي التركي في المستقبل، ويوجه رسالة قوية للقوة والمشروع الإيراني بضرورة مراجعة حساباته وتقدمه في بلاد العرب، وتغيير معادلاته في العراق وسوريا ولبنان والبحرين.
ذلك ما أدركته أمريكا جيدًا حين أقرت بأن مصر لم تعد حليفًا ولا عدوًا، واعترفت بإمساك مصر بالملف وضرورة الرجوع إليها في كل شيء في المنطقة، بالتأكيد ستكون له تداعياته في ارتفاع سقف المطالب العربية في المنطقة وخاصة ملف الصراع مع إسرائيل، بالإضافة إلى وقف تمدد المشروع الإيراني.
حركة فتح والسلطة الفلسطينية
بالتأكيد دور فتح والسلطة في ضمور وتغييب بل وربما تلاشى إن لم تدركه عناية الحليف الصهيوني والأمريكي، بيد أن قواعد اللعبة قد تغيرت وسيحدد مصير فتح والسلطة ما يمكن أن تقدمه لإسرائيل ضد حماس والعرب وأحسب ذلك مستحيلاً؛ حيث لن تتمكن السلطة من الصدام مع مصر والعرب، ومن ثم فهي تحتاج إلى أمرين أولاً تغيير قيادتها الحالية والدفع بدماء جديدة قديرة على اتخاذ مواقف جريئة في اتجاه المصالح الحقيقية للشعب الفلسطيني والتماهي مع حماس، بالتأكيد سيكلفها ذلك الكثير من وقف الدعم الصهيوني الأمريكي الأوربي ولكن دماء شعبها وتراب أرضها أغلى من كل شيء وربما عند مصر والعرب البديل إن أحسنوا التماهي والاصطفاف بجوار حماس.
مستقبل العمل الوطني الفلسطيني
بالتأكيد تفكر فتح والسلطة وإن شئت فقل جزء غير قليل منها خاصة في الصفوف ما بعد الأولى والثانية في إعادة موقفها وتموقعها وإستراتيجيتها في الصراع مع إسرائيل بالكلية، وتغيير المشهد إلى تكامل واصطفاف موحد يتوقف على سرعة وتفاعل هذه العناصر المصطفة خلف قيادة فرغتها من كل ذي قيمة وألقت بهم إلى مذابل التاريخ الفلسطيني الذي خلا من كل مزبلة إلا منهم بتماهيهم مع مصالح إسرائيل ضد شعبهم وأرضهم وقضيتهم.
للثورة السورية بالتأكيد ارتفعت وترتفع الروح المعنوية للشعب وجيش التحرير والائتلاف السوري بالآثار الارتدادية
لعودة مصر والاصطفاف العربي وتداعياته على تحجيم الدور والدعم الإيراني لنظام الأسد، بالإضافة إلى دخول قوة إقليمية جديدة لمائدة التفاوض على الملف السوري وهي مصر وتركيا متمثلة في كتلة وقوة واحد يمكن أن تقدم دعمًا سياسيًّا وربما عسكريًّا أكبر خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
للثورة الأردنية تباشير خير وبركة معبأة بعبق وريح شهداء غزة هبت على عمان العزة والشموخ الصابرة منذ أمد بعيد لتحيي فيهم أمل بناء دولة قوية حديثة حرة في إرادتها وقرارها الاقتصادي والسياسي، بيد أن الأمر يحتاج إلى المزيد من بذل وتضحية أبناء الأردن الأحرار الأبرار، إذا هو الأمل وارتفاع سقف الطموح ولكنه موجب للعمل ودفع الثمن.
لدول الخليج مكاسب عظمى بتغيير المعادلات الإقليمية، وفرصة كبيرة لتعظيم وتمدد المطالب والمكاسب الخليجية مع القوى الإقليمية في إيران والكيان الغاصب والعالمية من الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن اصطفت خلف مصر وتركيا ودعمت الكيان المصري التركي الناشئ.
هناك بعض الشبهات التي آثارها بالفعل إعلام الفتنة المصري
حيث انقسم الإعلام المصري بطبيعة الصراع الداخلي إلى إعلام للفتنة وآخر للبناء والنهضة
وجب تفنيدها والرد عليها حفاظًا على عقولنا من فيروسات صنعت في تل أبيب.
- الإلقاء بكل الأوراق مرة واحدة باتخاذ الإجراءات الخمسة (سحب السفير وطرد الآخر وفتح المعبر والاتصالات الدولية ودعوة الجامعة العربية للانعقاد وزيارة وفد رفيع المستوى لغزة) ومحاولة تصويره على أنه خطأ سياسي حيث لم يعد لدى الإدارة المصرية ما يمكن فعله مما يؤكد على قلة خبرة الإدارة المصرية، بالتأكيد هذا الفهم والتصور من آثار الحقبة الماضية الطويلة التي تعودت وألفت الذل والخنوع والحديث بصوت منخفض وغير مؤثر خشية إغضاب الحليف الصهيوني والراعي الأمريكي، ما حدث ويحدث إنما هو تكامل الموقف وقوته وفاعليته والعبرة بالنتائج التي تحققت وتتحقق الآن بامتلاك زمام المبادرة وفرض المطالب لوقف إطلاق النار.
- جر مصر إلى حرب غير مطلوبة الآن بحسابات القوة المحلية والإقليمية والعالمية بالتأكيد الكيان الصهيوني أحرص من مصر على عدم الانجرار إلى الحرب إنما هي سياسة قضم الأصابع حتى آخر لحظة حتى يعلن أحد الأطراف التسليم بإرادة ومطالب الطرف الآخر، بالتأكيد هذا جديد وغير معروف في سوق النخاسة الذي يعيش فيه بقايا النظام السابق.
- أولوياتنا الداخلية أولاً
أولاً لا يمكن فصل أولويات الداخل عن الخارج فالاثنان متلازمان، كما أن ما تم يعد استثمارًا أمثل للحدث بما سيدعم الموقف المصري إقليميًّا وعالميًّا، بالإضافة إلى تهدئة الأوضاع على الجبهة الشرقية لمصر لأمد بعيد؛ وذلك ما سترونه متحققًا خلال أيام إن شاء الله، بما يدعم جهود التنمية والنهضة الداخلية.