باتت مصر يتيمة بعد أن وقع حادث قطار أسيوط الذي راح ضحيته 47 طفلاً بريئًا، يمثل كل واحد فيهم حلمًا مصريًّا وأملاً وطنيًّا كان يمكن أن يكون مشروعًا للنهوض ومقدمة للتغيير، ولكنا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
ورغم تأخر الرئيس قليلاً لاتخاذ الإجراءات اللازمة ربما لانشغاله بأحداث غزة، وهذا ليس عذرًا له، فإنه قام بعدد من الإجراءات منها:
- قبول استقالتي وزير النقل ورئيس هيئة السكة الحديد.
- تحويل المسئولين إلى النيابة العامة- على رأسهم الوزير- للتحقيق وسرعة الإنجاز في التحقيقات لمعرفة المتسبب في هذا الحادث الأليم.
- اتخاذ كل الإجراءات من جميع الجهات التنفيذية المعنية لتعويض أسر الضحايا والمصابين وتذليل كل العقبات لهم.
- الشئون الاجتماعية تصرف ربع مليون جنيه لأسر ضحايا قطار أسيوط.
صحيح أن الإهمال الذي يضرب بجرانه أنحاء مصر لا يزال قائمًا، ولا يزال النظام القديم موجودًا، والأمر يحتاج إلى معالجة عاجلة لتلافي هذا الإهمال وتغليظ العقوبة على كل من يهمل في مسئولياته، لا سيما في هذه الفترة التي تمر بها مصر، فكما أصدر الرئيس مرسي تشريعًا يجرم مهربي مواد الوقود فيجب أن يصدر تشريعًا لتغليظ العقوبة على من يثبت بحقه الإهمال.
لكن العجيب أن تصدر أصوات من هنا وهناك تقارن بين الرئيس مرسي والرئيس المخلوع، وتتهم كل من يحاول توضيح الصورة بالتبرير والتخاذل والتفريط في دماء الضحايا، بل إن بعض الموتورين المخابيل طالب الرئيس بالتنحي، ولا شك أن هذا وذاك مزايدة فارغة، ولا وجه للمقارنة أصلاً، بل إن التفكير فيها يعد خارج السياق وخارج إطار الزمان والمكان.
أما موقف الرئيس من غزة فهو موقف يجعل كل مصري، بل كل عربي يرفع رأسه يناطح بها قمم الجبال؛ عزة وفخارًا أنْ عادت مصر لدورها الحقيقي، وشدت قاطرة العرب معها، ووضعت نفسها موضع الأم من بلاد الربيع العربي، وقامت قيادتها من أول لحظة بسحب سفيرها، ومع هذا خرج من يلوم الرئيس على سحب السفير، واتخاذ كل الإجراءات من مطالبة الجامعة العربية بالاجتماع،
كذلك مجلس الأمن، وفتح المعبر ليلاً ونهارًا وإلغاء إجازات الموظفين فيه، وتجهيز مستشفيات سيناء والعريش لاستقبال جرحى فلسطين، وتوجيه خطابات واضحة بأن غزة ليست وحدها وأن الكيان المعتدي لن يستطيع أن يقوم لقومة الشعب المصري ولا لشعوب المنطقة، وهي رسائل كافية تمامًا ليدرك الكيان الصهيوني أننا في زمان مختلف، وأن الأمور قد تغيرت، وأنه يجب أن يعي الدرس وعيًا كاملاً.
أين هذا من إغلاق المعبر وهدم الأنفاق رغم اجتياح بري واحد ارتقى فيه ما يقرب من 1200 شهيدًا، وجرح فيه ما يزيد على 12000 إنسان معظمهم من النساء والأطفال، ولم يكتف المجرم المخلوع بذلك، بل كان يعتقل كل من يحاول الإغاثة أو النجدة، لا أقول النجدة العسكرية وإنما النجدة الطبية والمالية!
إننا نرضى تمام الرضى أن نحاسب الرئيس وأن نحاسب الحكومة، وأن يقال المسئول، وأن يحاكم المقصرون؛ وهذه هي النتيجة الطبيعية لاختيارنا رئيسًا بحريتنا وإرادتنا، ولكن "لا بد وأن نعترف أن تغيرًا كبيرًا جرى في مصر؛ فلم يعد الرئيس هو الفرعون الذي لا يجرؤ حتى كبار مساعديه على إيقاظه من نومه الهنيء لإخباره بكارثة العبارة، ولم يجرؤ أحد على توجيه لوم للمخلوع على حوادث القطارات من حرق للمصريين، إلى تصادم إلخ... أنا سعيد بأن يوجه المصريون اليوم اتهاماتهم إلى الحكومة بل وللرئيس شخصيًّا؛ لأننا انتخبناه ومن حقنا أن نلومه وأن نحاسبه.
إنني أدعو المزايدين على الرئيس أن يكفوا على المزايدة، وأن يتحدثوا بإنصاف، وأن يقدروا الأمر قدره، لكنني أعلم أنهم يريدون نصب مشنقة في ميدان عام للرئيس وحكومته، أو يتنحى عن مكانه حتى تسعد الأصوات الشاذة بخراب البلاد واضطرابها، تلك الأصوات التي لا تمثل إلا نفسها، ولا تعبر بحال عن الشعب المصري!
-----------