لا يبالي أصدقاؤنا العلمانيون بتناقض مواقفهم والانتقال بين الآراء والآراء المعاكسة بسرعة الصاروخ.

 

ولا يحسبون للشعب حسابًا باعتبار أن الظهير الإعلامي كفيل بغسل أياديهم من حالة الكذب البواح وادعاءات التشويه المتلاحقة سواء على "الرئاسة" أو "الدستور" أو "الإخوان".

 

وقد اختاروا نهجًا مشهورًا في العمل السياسي، يتكفل هذا النهج بأي نظام ضعيف لتسقطه فلا تقوم له قائمة، خاصة إذا توافرت له مقوماته الأساسية.

 

هذه إستراتيجية يطلق عليها "التأزيم" وهي ببساطة محاولة وضع الخصم السياسي في أتون أزمة طاحنة والعمل على إحكام عناصرها حوله حتى يستسلم لانهيار صورته الأخلاقية في خيال أبناء الوطن، أو حتى يسقطه الشعب لسقوط شرعيته السياسية.

 

وتتوافر لدى القوى العلمانية الآن أزمة الانتقال من حكم ديكتاتوري فاسد إلى حكم  ديمقراطي، وفي هذه الفترة تكون عوامل "تأزيم" الموقف كلها متوافرة وبشكل مثالي، وهذه العوامل هي:

 

1- أوضاع أمنية واقتصادية مضطربة.

 

2- سقوط هيبة الدولة مع انهيار الديكتاتورية واستمرار هذا السقوط بسبب اضطراب الأوضاع.

 

3- انتشار حالة السخط الشعبي العام في كل الاتجاهات وعلى كل الأوضاع وبلا تمييز.

 

والواقع أن مصر ليست منفردة في هذه الأوضاع، فقد سبقتها أوضاع دموية في كل من الثورات الأمريكية والفرنسية والروسية، بعضها استمر 100 عام ليضبط أوضاعه الدستورية كما في حالة أمريكا، والأخرى قتل فيها 1% من شعبها أثناء الحراك الثوري الذي دام عشر سنوات (كما في فرنسا)، والثالثة قامت فيها حرب أهلية بمجرد انتهاء الانتخابات الديمقراطية, سقط في هذه الحرب قرابة المليونين (كما في روسيا).

 

وإذا كان المؤرخون لا يشيرون بأصابع الاتهام إلى أحد يعينه في هذه الثورات؛ لأن الشعب بكامله كان في حالة هياج وفوضى عارمة، فإن أصابع الاتهام في حالتنا تتوجه بشكل صارم وحاسم إلى القوى العلمانية التي "تستغل" المعاناة لفرض شروط وجودها السياسي بلا أي معيار سياسي أو أخلاقي وإلى الآن، وبعد قراءات فاحصة في مسودات الدستور المتعددة، وبعد مطالعة اعتراضات السادة العلمانيين فالباحث الجاد لا يجد إلا سفاسف لا ترقي, ولا تستحق هذا الصخب، وإذا كان الرهان العلماني على قبلة الحياة من "المحكمة الدستورية" بإسقاط الجمعية التأسيسية، فإن هذه القوى تخطئ خطيئة العمر؛ لأن المؤكد أن الشعب سيدين المتسبب في هذا الاضطراب المستغل لأنين الفقراء من أجل مكاسب في السلطة لا يستحقها، بعد أن يتقن أن قواعده خاوية من أي تأييد شعبي.

 

لقد لاحظ "دايفيد أوتاواي" مدير أبحاث مركز "ويلسون" أن تأزيم الأوضاع المصرية في وجه مرسي يضع العلاقات المصرية– الأمريكية في مصير مجهول، متنقدًا دعم القوى العلمانية التي تساعد في هذا التأزيم للموقف في مصر, كما أن القوى العلمانية تنتهك كل القيم والأعراف الوطنية حين تعبث بعقول الناس في مسائل الأمن القومي، وتشيع جوًا من الزيف المعلوماتي والتحليلي حول الوضع في "سيناء" ، ولا ينتهجون نهجًا سويًا متعارفًا عليه بين الخصوم السياسيين في العالم، وهو تنحية الخلاف جانبًا حين يتعلق الأمر "بالأمن القومي"، لكنهم يزايدون على مواقف الرئاسة وينهشون في الروح القتالية "للجيش"، ويحملون النظام الحالي آثام أوضاع بُذرت في عهد "السادات" بسبب "كامب ديفيد", واستغلت في عهد "مبارك" (كنز الصهاينة الإستراتيجي) والآن على "مرسي" أن يدفع ثمن نوعية خصومه السياسيين الذين اعتبروا أن كل القيم مستباحة لفرض وجودهم على شعب عجزوا عن إقناعه بسلامة مواقفهم وباستحقاقهم قيادته.

 

وأنت ترى أيضًا كيف تحولت الغارة الصهيونية على غزة، إلى (غارة علمانية) على "مرسي" زورًا بتفضيل"غزة" على "مصر" ودعمها بالكهرباء على حساب مصر، أو اتهموه بانتهاك "الأمن القومي" بفتح "معبر رفح"، هؤلاء يطالبونه اليوم برد حاسم على الصهاينة والانتصار للدم الفلسطيني، ولولا الموقف المصري الجاد بسحب السفير المصري؛ لكانت حفلة "الشواء الإعلامي" اليوم على شرف "الرئاسة" و"الإخوان".

 

في نفس السياق لا يستطيع أي مخلص في الوطن أن يعتبر الانسحاب من "التأسيسية" أو التهديد به، هو اختلاف محتمل في الرأي، لا سيما ونحن نرى تربص "المحكمة الدستورية" ونسمع تصريح الدول والمستثمرين بانتظارهم استقرار الأوضاع السياسية حتى يبدأ ضخ أعمالهم في مشاريعنا كذلك، فنحن نتعجب ونتساءل أي جمعية تأسيسية هذه التي يمكن أن تتشكل من جديد وتأتي لنا "بدستور" متوافق ما دام الفرقاء العلمانيون يسلكون مسلك "فرض الرأي أو الانسحاب"، صحيح أن التهديدات كبيرة وعظيمة، لكن أصدقاءنا أبوا أن يكونوا محور بناء، وأصروا أن يكونوا معول هدم، وإذا كانوا لا يخشون من غضبة التاريخ فقريبًا يرون بأعينهم كيف سيخرجهم الشعب تمامًا من هذا التاريخ، وسيأتي بقوى مدنية أخرى تختلف وتتفق سواء لمصالحها أو لمصالح الوطن، ولكن ستظلهم مظلة أخلاقية ورقابة شعبية تضع الجميع على الجادة، لنبدأ مرحلة ممارسة (العمل السياسي)، بعد أن عشنا قرابة العامين في ممارسة (الخبل السياسي).

----------------   

 Mohamedkamal62@ymail.com