هناك تشابه وتشابك بين السياسة والتاريخ. من حق السياسي أن يدافع عن قناعاته السياسية، كما يخضع تفسير التاريخ لقناعة المؤرخ. ويتشابه السياسي المحترم والمؤرخ المنصف في أن كلاًّ منهما قليل في عالم الواقع. وكلٌّ من المؤرخ والسياسي لهما كل الحق في تفسير الأحداث دون تغيير وتزييف الحقائق. وللأسف عندما يختلط التاريخ بالسياسة نشهد تزييفًا غير مقبول، خاصة عندما يكون السياسي ليس له خبرة بتحقيق الوقائع والحقائق التاريخية، نستثني من ذلك من يحترمون أمانة الكلمة ويقدِّرون خطورة تزييف الوقائع. وتزداد ضخامة وخطورة المشكلة عندما يكون السياسي إعلاميًّا يتصدي لبعض الحقائق فيحاول أن يثبت وجهة نظره السياسية بالباطل، تغلب على خطابه البهرجة والفرقعة الإعلامية. نقتصر هنا على مثال واضح لتأثر السياسي بصنعته الإعلامية في قراءة وعرض الحقائق. هذا المثال خاص بالإعلامي المشهور مصطفى بكري. وهو ورئيس تحرير صحيفة (الأسبوع)، كما أنه سياسي وعضو بارز في البرلمان لسنوات.

 

طالب مصطفى بكري في برنامج "آخر النهار"، في حوار مع الإعلامي خالد صلاح بضرورة أن يعود الإعلان الدستوري المُكَمِّل مرة أخرى، وأن يعود المجلس العسكري لصدارة المشهد السياسي. إنَّها أحلام اليقظة، هل يريد أن ترجع البلاد إلى اختيارات الدولة العسكرية مرة أخرى؟ هل تفضل يا بكري النظام العسكري على النظام المدني الذي يتشدَّق به العلمانيون ليل نهار؟ أم أنَّ بكري يريد أن يتقلد مرة أخرى منصب المتحدث باسم المجلس العسكري؟. مصطفى بكري في حواره مع خالد صلاح طالب بـضرورة صدور حكم بإلغاء الجمعية التأسيسية للدستور. كما أوضح أمانيه بقوله: (في حالة إبطال الجمعية التأسيسية وإعادة تشكيلها مرة أخرى على يد الرئيس مرسي، ثم إبطالها مرة أخرى عن طريق القضاء، فنحن أمام مشكلة كبيرة بطلان قانوني ودستوري للجمعية). هذا الطلب بصدور حكم بإلغاء التأسيسية ثم أحلام اليقظة بوصول البلاد إلى شلل نتيجة صدور حكم ببطلان أي تشكيل تالٍ للتأسيسية، يبين مدى كراهيته لمصر. أحلام بكري توقفت عند حكم العسكري. كيف يطلب بكري من القضاء صدور حكم وفقًا لأحلامه؟ هل القضاء الدستوري ينتظر تمنيات بكري ليصدر حكمًا بها؟. الحقيقة أنَّ بكري كشف عن صدر يمتلئ بالحقد والكراهية لمصر. هل انحصرت طموحاته وآماله بين بديلين فقط هما: متحدث باسم المجلس العسكري أو كبير خرابة؟.

 

يَكْمِل بكري سيناريو أحلام اليقظة المُدَمِّرة وآمال الخراب، مرتديًا ثياب الواعظين، حيث حَذَّر بعد ذلك من (مخطط أمريكي لتقسيم المنطقة العربية إلى كانتونات عرقية ودينية في ظل حكم الإخوان، مدللاً على ذلك بالتعاون بينهم وبين الولايات المتحدة، واختفاء القضايا القومية وتغييب قضية فلسطين من على الساحة). أنا هنا لا أدافع عن الإخوان، فمن حق الشعب أن يختار من يراه مناسبًا للحكم، لكن يجب أن نحترم اختيارات الشعب يا بكري. المغالطة بالباطل لا تجوز يا بكري. وهذا التحذير مردود عليه لما يأتي:

 

- بخصوص رئاسة الدكتور مرسي، فإنه فاز في انتخابات نزيهة يا بكري. ماذا يريد بكري؟ هل يريد أن ينصح الشعب باختيار بديل آخر غير إسلامي؟. إنه ينصحنا بلغة المرتجف، ولا أعتقد أنه خائف من الأمريكان، بل قد يكون في انتظار تلك اللحظة ليجد كثيرًا من الفوائد في جعبة العم سام. إن العم سام يحكم الدول الأخرى من خلال وكلاء. هل يريد بكري أن نختار فريق بكري إذا كنا نخاف من تدخل العم سام بتقسيم بلادنا؟. هل تريد يا بكري أن ننافق الأمريكان في اختيار حكامنا؟. أليست هذه النصائح شبيهة بنصائح بكري وبياناته أيام المجلس العسكري؟. نَسِي بكري أن يرسم لنا صورة تفصيلية بمواصفات وعقيدة وهوية من يختاره لنا هو والعم سام. نسأل الله أن تكون أحلامك أكثر رفقًا بالشعب المصري وبالعرب والقضية الفلسطينية.

 

- من البساطة تفنيد موعظة بكري. الإخوان تاريخهم في محاربة عصابات اليهود، حافل بقصص تشنف الآذان. تحالفت حكومة الملك مع الإنجليز ضد هؤلاء الإخوان في حربهم الشريفة ضد شذاذ الآفاق. كان جزاء الإخوان هو قتل الشهيد حسن البنا. هذا جزء من تاريخ حقيقي للإخوان إزاء القضية الفلسطينية. وعلى الطرف الآخر أن تسترجع بأمانة ماذا فعل غُلاة القوميين، بعد نجاح ثورة يوليو 1952. الإجابة واضحة من ممارسات الإسلاميين ومبادئهم. الإسلاميون يرون أنَّ الأمة الإسلامية بما فيها الأمة العربية تمثل ركنًا مهمًّا في عمقنا الإستراتيجي. كما أنهم يرون أنَّ بقاء مصر واستقرارها مرتبط بقوة العرب والأمة الإسلامية. هذا لا يحتاج إلى دليل. كذلك فإن القدس تمثل ثالث الحرمين ومسرى الرسول عليه الصلاة والسلام. فهل يفرط الإسلاميين في القدس؟. لكن أقول لبكري: إنَّ الذين فَرَّطُوا في فلسطين هم غلاة القوميين، أنظر إلى حافظ الأسد وانظر إلى من كانوا بمصر يتشدقون بالقومية العربية كيف كانوا منهمكين في تعذيب الإسلاميين وتركوا حدودنا وسيناء المصرية مستباحة لليهود ألدّ خصوم العرب، بينما كان حماة القومية يستبيحون أعراض الإسلاميين وحرمة دولة اليمن. هؤلاء القوميون كانوا يرددون شعارات القومية العربية وتتغنى إذاعاتهم بالقول المشهور "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" وفوجئنا بقبولهم المهين بمبادرة "روجرز". هذه حقائق تغيرها بدافع الحقد يا بكري. الخلاف ليس خلاف على تفسير الأحداث، بل هو خلاف على حقائق. ومن ثم أقترح أن:

 

1- تتشكل لجنة من المؤرخين لتقوم بكتابة الحقائق المتفق عليها في التاريخ العربي والإسلامي والدولي في القرن التاسع عشر. ولا أقصد أن تقوم تلك اللجنة بكتابة التاريخ فهذه مسألة أعقد.

 

2- أن يتم عمل سلسلة كتب لبث الوعي في أجيالنا الناشئة بتاريخنا، حتى لا يحدث المكروه بتشويه وعى الشباب الذين لم يعاصروا تاريخهم القريب.

 

3- الاهتمام بالتوعية الإعلامية الشفافة لتوعية المجتمع وحمايته من تشويه بعض الساسة.

 

4- تشكيل لجنة لبحث التشويه المتعمد في تاريخنا.

 

5- احترام التاريخ ومحاسبة من يرتكب جريمة تشويه تاريخنا، فتاريخنا أثمن من الكنوز التي تحويها الأرض. وتشويه التاريخ هو سرقة وتشويه أقبح وأخطر من سرقة الكنوز.

-----

الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج