"ونحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تُزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدَّت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم يومًا من الأيام" (حسن البنا).

 

هذه كلمات من رجل مضى وأفضى إلى ربه فلم يمكث طويلاً وأفنى عمرة الذي لم يتجاوز 43 عامًا من أجل دينه وأمته ووطنه مصر وترك لمصر فكرة جميلة التف حولها من عقلها وفهمها فأخلص لله في خدمتها وخدمه مصر وشعبها وأظن أن الرئيس د. مرسي وكل محب لمصر من هذا الصنف الغيور. وتلك هي النبتة والبذرة الصالحة فأثمرت شجرة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

 

فهل قرأ مدعو الوطنية والهوية وحب مصر الذين يفتعلون المشكلات والتوترات السياسية لإيقاف كتابة أبي القوانين"الدستور" هذه الكلمات لكي يحذوا حذو هذا الجل ولكن شتان !!!!! لأن الرجال أصبحوا في عالمنا قليل.

 

دكتاتوريه الأقلية وحرب الهوية

إن قيمة المرءُ تُعرف من حيث يثبُتُ لا من حيث يَنبُتُ.ويُقيمُ المرء من حيث يُوجد لا من حيث يُولد.

 

إن هناك أناسًا ولدوا في بلدهم نعم ولكنهم تركوها وأقاموا في بيئة غير البيئة التي ولدوا فيها وبعد سنين طوال عادوا إلى بلادهم ليقولوا إنهم منها وينتمون إليها. قَدِمُوا ويحملون معهم ثقافات ورؤى غربية وغريبة عنا نحن المسلمين والمصريين على العموم. فالمصري له تقاليده وأعرافه. جاءوا مدججين بعلمانية الدولة فهذه هويتهم. نعم لهم أن يعبروا عنها وبأدب لا مثل ما نرى من سوء أدب وكبر وهم ليس لهم رصيد يكاد يصل إلى الصفر في مصرنا، وبرغم ذلك يعمل لهم حساب وهذا حقهم لكنهم ربما يتسببون في سلب هذا الحق منهم وبالقانون. وتريد هذه الأقلية أن تُلزم من نبت وشب في بيئة تحمل الثقافة والهوية الإسلامية من الأغلبية في شعب مصر بهويتهم العلمانية الساقطة.

 

 إن ما جعل" دكتاتوريه الأقلية" التي تمتلك المال والفضائيات تتجرأ هكذا وتنتفخ أوداجها لأنها تلقى الدعم والتأييد من الغرب الذي لا يتوانى أبدًا في جعل منطقه الشرق الأوسط غير مستقرة وممتلئة بالمشكلات والحروب والصراعات هذا بالإضافة إلى الفقر والجهل ولا أشك أن هذا كله بسبب الهوية الإسلامية، واقرءوا تاريخ الحروب الصليبية وفترة الاستعمار الغربي لمنطقتنا طيلة عقود مضت ومازالت بقاياها وأثرها واضحين علينا.وما قاله البرادعي وغيره في قولهم عن مسودة الدستور الجديدة إنها الأسوأ في تاريخ مصر هو ليس بمفاجأة لنا فهو من هذا النوع ظل بعيدًا عن مصر ولما عاد جاء بما يحمل معه من ثقافات الغرب وربما سياستها المرسومة لنا والمعدة سلفًا، فماذا ننتظر من الضيف العزيز الآتي من هناك ويرحب بعلمانيه الدولة ولا يحترم هويتنا الإسلامية.

 

فمرحبًا به على أية حال لأنه مصري، ولكن لا مرحبًا بالعلمانية !!! فلماذا لا يأتي هذا ويحمل معه مسودة دستور البلد القادم منه أمريكا أو غيرها من فرنسا والبرازيل والهند وليقرأ في باب الحريات والحقوق ونظام الحكم وحقوق المرأة فيها وليقارن بينها وبين مسودة الدستور المصرية الجديدة هذه والتي يعُدُّونها الأسوأ في تاريخ الدساتير من وجه نظرهم.

 

فلم أفاجأ بما قاله البرادعي وأقباط المهجر ولكن المفاجئ لي أن هذا الكلام نفسه يقوله أناس نبتوا في مصر مثل المرشح السابق للرئاسة حمدين صباحي وما قاله حافظ أبو سعدة إن مسودة الدستور هي استخفاف بالشعب المصري وما يفعله غيرهم من العلمانيين واللبراليين والاشتراكيين؛ حيث طالبوا بالنزول إلى الميادين لوقف عمل تأسيسية الدستور والتي يصفونها بالكارثة المحدقة بمصر والثورة، ليس بسبب مضمونها والكل يعرف ذلك، ولكن لكي يوجدوا نصًا في المسودة لإعادة انتخابات الرئاسة إنهم يحلمون!! وسبب آخر وهو أن التأسيسية بها أناس يحبون مصر ويكنون كل الحب للهوية الإسلامية ويعتزون بها ويضعون شرع الله الحنيف فوق رؤوسهم. لـــــــــــذلك.......

أرح نفسك فكل شيء مرفوض طالما أنه منك ولو كان عسلاً؟

 

إن مسودة الدستور الجديد هذه والتي أنتجتها قريحة أكثر من مائة عضو في الجمعية التأسيسية والتي تجمع من القانونيين والدستوريين ومن كل شرائح المجتمع المعتبرين الذين اجتهدوا وبذلوا الوسع وأخرجوا لنا هذا المنتج لكي يُقرأ وتدور حوله النقاشات والحوارات الإيجابية ومن ثم يتم تلاشي ما هو سلبي وتقوية ما هو إيجابي ثم يعرض للاستفتاء. ولكن نفاجأ بردود فعل غريبة، فكل ما يدور في الساحة والصحف والفضائيات من تجاذبات هو مضيعه للوقت لتظل مصر معطلة وبدون دستور وتشريع فلم يُنظر في النقاشات إلى المضمون ولكن الخلاف في الشكل أي فيمن وضع المسودة "كلام فارغ" وعذرًا أقول، وهذه هي المصيبة حتى اضطر الرئيس مرسي محاولاً تقريب وجهات النظر فطلب الجلوس مع هؤلاء ليسمع منهم لعل وعسى!! يرضيهم ويطبطب عليهم!! وأنا على يقين أنهم لن يرضون وكلما أرى ردة فعلهم في أي شيء يصدر عن الرئيس والحكومة إيجابيًّا كان أو غير ذلك أتذكر قول الله- أقول أتذكر ولا يفهمني أحد خطأ- (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: من الآية: 120) شعارهم في ذلك أي أرح نفسك فكل شيء مرفوض طالما أنه منك أنت؟!!! فنجدهم يهونون الإنجازات والإيجابيات ويغضون الطرف عنها ويهولون صغائر الزلات والسلبيات وينفخونها ويضعون عليها البهارات والتوابل والمزيد من الشائعات عن طريق فضائياتهم، فهل هذا التناحر أنتج للشعب المسكين خبزًا وغازًا؟.

 

فحينما تتجه السفينة إلى اليمين يقولون: لماذا لم تتجه إلى اليسار والعكس. فإن بقي الأمر على هذا الحال ربما تغرق السفينة ونغرق جميعًا ولم يعد هناك لا خبزًا ولا غازًا ولا مصر فهل ننتظر ذلك؟

 

فلماذا لا يضع هؤلاء أيدهم في الصاع ليتذوق ما فيه وليرى أفيه ملح أم عسل، فلقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وهو يشير إلى الملح: ما هذا؟ فقال عمر رضي الله عنه: ملح يا رسول الله، دون أن يتقدم ليتذوقه، وكذلك فعل أبو بكر رضي الله عنه، فسأل عليًّا رضي الله عنه: تقدم، فوضع أصبعه وتذوقه فقال: ملح يا رسول الله، فقال النبي صدق علي.

 

وعلى أية حال فالرئيس مرسي يحاول الآن تقريب وجهات النظر لعل وعسى يرضيهم، وأنا على يقين أنهم لن يرضون وكلما أرى ردة فعلهم في أي شيء يصدر عن الرئيس والحكومة إيجابيًّا كان أو غير ذلك أتذكر قول الله (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) أي أرح نفسك فكل شيء مرفوض طالما منك أنت؟!!! وهذا ما وافقني فيه أخي الأستاذ جمال سلطان في مقاله بـ"المصريون" تحت عنوان "الظاهر والباطن في لعبة الدستور" يقول "فلا القضية في مواد الدستور ولا القضية في الوقت الذي استغرقه إنجازه، والحقيقة أن الخضوع لهذا الابتزاز السياسي سيضع الجميع أمام بركان غضب الناس في النهاية، كما أن الاستجابة بخطوة واحدة لهذا التسويف سيفتح الباب أمام المزيد من ألاعيب الابتزاز السياسي التي لا تنتهي، وأي موقف "نبيل" وإيجابي من الرئاسة للاستجابة لبعض الضغوط لن يُفضي في النهاية إلى رضا الآخرين، هم لن يرضوا عنك أبدًا، هم يرفضون وجودك من حيث الأساس، ويرفضون اختيار الشعب المصري".

 

فهؤلاء نجدهم يهونون الإنجاز ويغضون الطرف عنه ويهولون الزلل وينفخونه ويضعون عليه البهارات والتوابل والمزيد من الشائعات عن طريق فضائيات الفلول فحينما يتجه قبطان السفينة إلى اليمين يقولون لماذا لم يتجه إلى اليسار والعكس فإن بقي الأمر على هذا الحال ربما تغرق السفينة ونغرق جميعا فهل ننتظر ذلك. لذلك لا بد من يد ظاهرها فيه الشدة على كل متصيد لعوب كذوب وباطنها فيه الرحمة لمصر وشعبها الذي لا يهمه إلا أن يعيش كريمًا وبلقمة العيش غير مكروب.

 

رفيق حبيب المنصف

ومع ذلك كان لبعض المنصفين الموجودون على الساحة رأي آخر وهو الدكتور رفيق حبيب الذي له نصيب من اسمه، يقول إن الحرب التي تشنها النخب والقوى العلمانية، ضد جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة، وضد قوى التيار الإسلامي، وضد اللجنة التأسيسية للدستور، ولكنها تصب كلها في المعركة ضد الهوية الإسلامية، وهي نفس المعركة، التي شنها النظام السابق، ونتج عنها تزايد درجة التعصب في المجتمع، مؤكدً أن مهاجمة هوية المجتمع، تزيده تعصبًا وتشددًا.

 

وأضاف حبيب عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، قائلاً،"ما تقوم به القوى والنخب العلمانية بعد الثورة، يزيد حالة التعصب والتشدد، ويدفع التيار السائد في المجتمع، للدفاع عن هويته، مما يزيد شدة الفرز الحضاري على أساس الهوية، فتتعمق حالة الاحتقان، ويتشدد المجتمع ضد من يعادي الهوية الإسلامية، فتزداد حالة الفرقة في المجتمع".

 

ويقول إذا استمرت تلك الحرب العلمانية على الهوية الإسلامية، سوف تؤدي إلى ردة فعل شديدة، من جماهير التوجه الإسلامي، تدفع إلى التشدد في إظهار الهوية الإسلامية للدولة والمجتمع، وتزيد من عزلة المؤيدين للتيار العلماني، وتزيد أيضًا من عزلة مسيحيي مصر، بسبب تأييدهم للحل العلماني، وبالتالي فقد يكون مسيحيو مصر أكثر المتضررين من الحرب التي تشنها القوى والنخب العلمانية، ضد الهوية الإسلامية. لذلك أدعوا الجميع للتريث وقراءة مسودة الدستور بتأنٍ لنرى فيها تحقيقًا لمطالب الثورة من حرية وعدالة اجتماعيه أم لا؟ أليس هذا كلامًا منصفًا يا سادة ؟؟ من رجل فهم المقولة المشهورة "لنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه" رجل يحترم هوية مصر الإسلامية برغم أنه غير مسلم لأنه منصف! ومصري للنخاع ولد بمصر وعاش بمصر وشرب من نيلها ومحب لها ولشعبها بكل طوائفها. هؤلاء هم الرجال فحسن البنا مسلم مصري غيور ورفيق حبيب مسيحي مصري غيور، فكونوا مثلهما يا مدعي الوطنية والهوية وحب مصر فإن لم! فتشبهوا بهما فإن التشبه بالرجال فلاح ولكن الرجال قليل. حفظ الله مصر.

---------------------------------------------

باحث وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

a.almohammadi5969@yahoo.com