بعد أن تم الانتهاء من المسودة الأولى وتم نشرها على موقع الجمعية التأسيسية, وتم عرضها للنقاش وإبداء المقترحات تهالت عليها الآراء والمقترحات والانتقادات من كل فج عميق, حتى أن عامة الشعب في الشارع المصري باتوا يقولون متى سينتهي هذا الدستور المفزع الذي لم يراع حقوقنا وحرياتنا في مسودته؛ وذلك كله بسبب التشويه الممنهج لهذه المسودة- التي ساهم في إعدادها العديد من المخلصين لهذا الوطن– من قبل العديد من الإعلاميين الفاسدين والمحسوبين على النظام السابق وكذلك من بعض القوى التي لها أجندات ومصالح خاصة, ولا تهدف للصالح العام, في حين أن مواد الدستور من حيث المضمون لا أحد يعترض عليها فجميعها تؤكد على حقوق وحريات الشعب المصري, ولا اختلاف في ذلك لكن الاختلاف كان في الصياغة فكل من اعترض على مواد الدستور وادعى أنها جائرة وتهدر حقوق الانسان افترى الكذب على هذه المسودة؛ لأن المسودة تختلف كثيرًا عن الدساتير السابقة من حيث التغيير والتأكيد على هوية وحرية وكرامة وحقوق هذا الشعب العظيم, ولكن للأسف الشديد عندما نظرت في اقتراحات بعض من يسمون أنفسهم "قوى مدنية" التي تعترض على أي شيء- ويساعدها الإعلام الخبيث في مهمتها وتشويه صورة النظام الحاكم والتيار الإسلامي بكل الطرق- فوجدت أن معظم التعديلات التي اقترحوها هي نفس المواد التي توجد في المسودة ولكن الاختلاف في الصياغة أما المضمون فهو واحد, ومع ذلك توجد بعض المواد التي تم إضافتها ولها أهمية تم الأخذ ببعضها في المسودة الأخيرة, وبالتالي فليس من المعقول أن تنل هذه المسودة كل هذا الهجوم الشرس.
فعندما اطلعت على المواد المختلف عليها وجدت أن معظمها في باب الحقوق والحريات, ووجدت أن القوى المدنية خاصة الموجودة في الجمعية التأسيسية توافقت فيما بينها على أن هذه المسودة مرفوضة ولا تليق بشعب مصر من وجهة نظرهم, وقاموا بعمل مسودة جديدة كمقترح وتم تقديمها للمستشار الغرياني وهي تقع في ثمانين صفحة, وبها مقترحاتهم وتعديلاتهم على المواد الموجودة في المسودة, فبعد أن قرأتها عليها وجدت العجب العجاب, وجدت أن معظم المواد التي تم تعديلها تتفق في مضمونها مع المواد الموجودة في المسودة التي أعدتها الجمعية التأسيسية إلا أن بعضها يختلف في الصياغة, كما أن المواد المختلف عليها مواد خاصة بالشريعة الإسلامية؛ ما يؤكد استمرار الحرب على الإسلام والمشروع الإسلامي.
فمن المواد التي تم رفضها والاعتراض عليها المادة رقم (2) والمادة المضافة إليها رقم (220) الخاصة بمبادئ الشريعة الإسلامية وتفسيرها وهنا تم الاعتراض على الإضافة في حين أنه لا داعي لهذه الضجة لأن التعديل في حقيقته لا خوف منه لأنه مطابق للتعريف الذي أوردته المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 8 لسنة 17 قضائية عليا والذي ينص على "لا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً وبالتالي فالاعتراض وهذه الضجة غير مبرر.
وكذلك الاعتراض على المادة رقم (4) والتي توجب أخذ رأي هيئة كبار العلماء والأزهر في كل ما يتعلق بالشريعة الإسلامية, بحجة أن مصر بذلك ستصبح دولة الفقيه وليست دولة القانون, وأرى أن ذلك غير حقيقي؛ لأن في الإسلام لا توجد دولة الفقيه كما يزعمون بل إن الإسلام أجاز الاعتراض على الحاكم ومحاسبته؛ لأنه بشر وليس كما يعتقدون أن الحاكم الإسلامي خليفة الله ولا يجوز محاسبته أو الاعتراض عليه, فوجود مثل هذه المادة لا مانع منه؛ لأنها بذلك تحفظ هيبة الدولة؛ لأن القضاء كما نعلم معظمه فاسد ولا يحكم إلا بهواه وهناك العديد من القضايا التي تنظر أمام القضاء وتختلف في أحكامها رغم تشابه ظروفها وأسبابها ووقائعها والكل يعلم ذلك, كما أن من القضاة من لا يجيدون قراءة القرآن الكريم وليس حفظه فكيف يحكمون في قضايا تخص الشريعة, كما أن أخذ رأي هيئة العلماء سيكون في بعض الحالات التي يكون فيها مساس بالشريعة وليس كل القضايا المطروحة على القضاء, كما أن رأي هئية العلماء سيكون اختياريًّا وليس وجوبيًّا، كما أنه سيكون استشاريًّا وليس إلزاميًّا الدليل على ذلك نص المادة (128) من الدستور الجديد التي أعطت للمحكمة الدستورية العليا أن تختص دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، وتفسير النصوص التشريعية, وبالتالي فلا مانع لهذه المادة ولا مبرر لرفضها.
وأيضًا تم الاعتراض على المادة رقم (6) والتي تؤكد أن الدولة نظامها ديمقراطي يعتمد على مبدأ الشورى, بحجة أن الشورى تختلف عن الديمقراطية والنظام الديمقراطي, وأرى أن ذلك من العجب العجاب؛ لأن الشورى التي يخافون منها تعني أن يتم أخذ الرأي والمشورة في أحد المواقف أو القضايا الهامة التي تخص الدولة وغيرها من الأمور الهامة ثم بعد التشاور مع الجميع يؤخذ برأي الأغلبية, وأعتقد أن ذلك لا يختلف عن الديمقراطية التي يتشدقون بها ويطالبون بها ليل نهار في شيء, وعندما تم تنفيذها واختار الشعب من يريد وجدنا أنهم أول من اعترضوا عليها؛ لأنها لم تأت بهم.
وكذلك الاعتراض على المواد (9 , 10 ,11) والخاصة بحماية الدولة والمجتمع للتقاليد والقيم الخلقية والطابع الأسري ورعاية الآداب العامة والأخلاق والثقافة وتعريب العلوم, بحجة تغيير هوية مصر الإسلامية متنوعة الثقافة, وأرى أن الاعتراض على هذه المواد لا داعي له لأنها لا تعمل على تغيير هوية الدولة المصرية الإسلامية بل تحافظ عليها من كل الثقافات الغربية التي أفسدت شبابنا ونسائنا وأطفالنا والتي تأثروا بها كثيرًا في ملبسهم طبيعتهم وحركاتهم بل وسكناتهم, بل تم الاعتراض كذلك على دور المجتمع في حماية تقاليد الأسرة المصرية وقيمها الخلقية وغيرها ألم يذكر هؤلاء المعترضون دور المجتمع في اللجان الشعبية أثناء الثورة المصرية وحمايتها من البلطجة, وكذلك حماية المجمع المصري والمتحف المصري أثناء الثورة, لقد ضرب المجتمع نموذجًا يحتذي بها في كل دول العالم في حماية ممتلكاته.
وتم الاعتراض أيضًا على المواد (41, 44 , 45) الخاصة بحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة وعدم مصادرتها وعقوبة الحبس للصحفيين؛ حيث يريدون أن تكون حرية الرأي والتعبير بكل صوره مطلقة دون قيد أو رقيب ولا يجوز مصادرة الصحيفة أو حبس الصحفي مهما نشر, ولكنني اختلف معهم في ذلك فلا توجد حرية مطلقة بل لابد أن تكون الحرية بحدود خاصة إذا ما كانت حرية رأي وتعبير, ففي الآونة الأخيرة وتحت مسمى حرية الرأي والتعبير تم الاستهزاء برئيس الدولة وتم إهدار دمه من قبل أحد المعتوهين والذين يحسبون أنفسهم إعلاميين بل هم إرهابيين متطرفين, وكذلك سب وقذف لرئيس الدولة والتحريض على إحراق مقرات احد الأحزاب المصرية , هل هذا يندرج تحت حرية الرأي والتعبير ؟؟بل إن هذا يحدث رغم عدم وجود دستور ينص على إطلاق حرية الرأي والتعبير فما بالك لو صدر دستور ينص على حرية الرأي التعبير بهذه الطلاقة وبلا حدود, بل والأمر من ذلك أنهم يريدون أن ينص الدستور على عدم حبس الصحفي في قضايا النشر ولِمَ كل ذلك التمييز أليس الصحفي بمواطن مصري يطبق عليه القانون عندما يخطئ أم هو فوق القانون وبالتالي هذا سيفتح الباب لكل فئة أن تطالب بمثل ذلك كالمحامين والناشطين الحقوقيين وغيرهم.
كما أنهم اعترضوا على المادة (68) والخاصة بمساواة المرأة مع الرجل في كل شيء بما لا يخالف أحكام الشريعة, والتي تم إلغاؤها لإرضائهم, في حين أنني أرى أنها من المواد الهامة التي تحفظ حقوق المرأة؛ لأن الشريعة الإسلامية هي التي حافظت على حقوق المرأة ومكتسباتها وهي التي حررتها من العبودية وأعطتها حقها في الإرث بعد أن كانت محرومة منه وبالتالي فهذه المادة كانت ستحافظ عليها وتعمل على اكتسابها حقوقها وليس كما يزعم أعدائها أنها تقيد حقوق المراة وحريتها؛ ما يؤكد استمرار الحرب على الإسلام.
ليس هذا فحسب بل كذلك نجد أنهم في كل مادة يذكر فيها المواطن يضيفون كلمة مواطنة وامرأة, في حين أن الدساتير السابقة كانت تنص على مواطن وكان معلوم أن مواطن تشمل الرجل والمرأة والطفل الشيخ والصبي والفتاة, أليس ذلك دليل على قصور في الفهم ومحاولة لإحداث فتنة جديدة.
وأخيرًا نرى أنهم يهاجمون الدستور الجديد من قبل أن يولد بطريقة فجة ويشوهونه ولا يذكرون أي حسنة أو إيجابية في الدستور أو المسودة أليس ذلك إجحافًا بحقوق المخلصين من التيارات السياسية الذين ضحوا بأوقاتهم للخروج بدستور يليق بشعب مصر ودولة مصر, كما أن ذلك استخفافًا بعقول فئة معينة من الشعب المصري التي لا تجيد القراءة والكتابة لحثهم على رفض مثل هذا الدستور قبل أن يعلن وقبل أن يولد, وللأسف الشديد أن هؤلاء لا يعجبهم إلا أن يضعوا هم الدستور بأنفسهم ويشكلون جمعيته التأسيسية بأنفسهم ولو أتيحت لهم الفرصة كاملة سنجدهم يهمشون التيارات الإسلامية بأكملها ولا ينظرون إلا لمصالحهم الخاصة وأجنداتهم الخاصة.
لذلك يجب على المخلصين من الإعلاميين والسياسيين وغيرهم أن يعملوا بإخلاص لتوعية الشعب بهذا الدستور الجديد وإظهار إيجابياته ومزاياه وكذلك على أعضاء التأسيسية المخلصين أن يعقدوا مؤتمرًا صحفيًَّا يعلنون فيه حقيقة هذا الدستور ومدى احترامه لحقوق وحريات المصريين ويناقشون فيه ما تم الانتهاء منه في الجمعية من أمور ويبرزون إيجابياته ومزاياه والفارق بينه وبين الدساتير القديمة وغيرها من أمور, كما أنه يجب على هؤلاء المعارضين والإعلاميين أن يخلصوا في مهنتهم ويضعوا صالح البلاد في حسبانهم وفوق مصالحهم الشخصية؛ لأن بلادنا الآن كادت أن تعبر بسلام مرحلة التحول الديمقراطي ولابد من الانتهاء من الدستور حتى تسير عجلة البلاد للأمام ولا ننتظر لإعداد جمعية أخرى تكاد تكون غير معبرة عن الشعب المصري وتضع دستورًا معيبًا لا يليق بشعب مصر.
وفي الختام من المستحيل أن يوضع دستور يتفق عليه الجميع بل لابد أن يكون هناك معارض ومختلف في الرأي؛ لأن هذه طبيعة الحياة.
حمى الله مصر من كل سوء.
-------------------------------