كنت أرقب بقلق شديد أبنائي في مرحلة الطفولة وهم يمارسون الألعاب الإلكترونية، فهذا يصيح رافعًا راية البطولة؛ لأنه بضغطة زر هزم منافسه في مبارة، وآخر استطاع بضغطة زر آخرى أن يهزم جيشًا جرارًا ويفتح قلاعًا حصينة.

 

كل هذه البطولات وهم جالسون على كراسيهم في جو مكيف.

 

ثم نما قلقي حين أصبحوا شبابًا وأصبحت البطولة عندهم تغريدة في "التويتر" بضغطة زر تجوب الآفاق وتنهمر عليها التعليقات، فيتوهم أنه أصبح زعيمًا وهو جالس في بيته لم يلتحم بشارع، ولم تلفحه حرارة شمس، ولم تنزل منه قطرة عرق وهو يساعد أهل الحي، ولم يدفع من جيبه مالاً لمساعدة محتاج.

 

ثم بلغ قلقي ذروته وأنا أستمع إلى الجلسة الطارئة لنادي قضاة مصر ورئيسه على المنصة، يرسل شظايا من كلماته النارية، مهددًا بانسحاب القضاة من الإشراف على الدستور، متحدثًا باسم الشعب، ومدعيًا الحفاظ على مصالحه.

 

والحقيقة أن الشعب- الذي ادعى التحدث باسمه- كان يتمنى أن يسمع هذا الصوت مرتفعًا في وجه الظلم يوم تم تزوير الانتخابات، ويوم تم الاعتداء على القضاة الشرفاء الذين قاوموا التزوير، وتم سحلهم في الشوارع وضربهم من أجهزة الأمن، ويوم تم تحويل الشرفاء من القضاة إلى مجالس تأديب.

 

يومها كان الشعب فعلاً في حاجة لأن يسمع هذا الكلام الذي سمعناه بالأمس، ولكن يومها كان للبطولة ثمن يدفعه المتكلم من حريته وأمنه وماله ومركزه الوظيفي.

 

أما حين يصبح الكلام كلأً مباحًا فمن السهل أن يرتع فيه كل مدعٍ للبطولة، وقديمًا كانت العرب تسخر ممن ينزل للميدان بعد انتهاء المعركة ويطلب المبارزة.

وإذا ما خلا الجبان بأرض            طلب الطعن وحده والنزالا

وسخر "مِرْبَع" من "الفرزدق" حين ادعى الأخير البطولة وهو لا يملك سوى الكلام

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا             أبشر بطول سلامة يا مربع

ويصف المثل الشعبي أمثال هؤلاء من مدعي البطولة بـ"ركوب الموجة"، نعم يركبون الموجة؛ لأنهم لا يتحملون تكلفة دفع الموجة أو خوض غمارها وتحمل المشاق والمخاطر، هم يجيدون فقط قطف الثمار وركوب أكتاف من صنع الموجة.

 

فالذين تخلوا عن الشعب وقت الحاجة، وكانوا أعوانًا للظلمة هم أنفسهم اليوم من يتحدثون باسم الشعب.

 

الوطن يا سادة ليس في حاجة إلى أبطال بلاي ستيشن.

 

الوطن في أزمة تحتاج سواعد المخلصين وعقول المفكرين وحكمة المسئولين.

 

يحتاج إلى أبطال حقيقيين، علامة بطولتهم أنهم يكثرون عند المغرم ويقلون عند المغنم.