صباح يوم أمس الأول أُسدل الستار على الانتخابات الأمريكية بفوز الرئيس الحالي باراك أوباما، الرئيس الرابع والأربعين، لدولة عمرها 200 عام.
معركة انتخابية شرسة جدًّا خاضها المرشحان أوباما ورومني وُصفت بأنها الأكثر كلفةً عبر التاريخ الانتخابي الأمريكي؛ حيث وصلت تكلفتها الإجمالية 3 مليارات دولار، حسب أوسط التقديرات، تنافس فيها المرشحان هذه المرة على إستراتيجيات العمل المستقبلي وعلى طريقة إدارة البلاد، ومثل كلٌ منهما خط حزبه في الرؤية المستقبلية لبلاده.
بعد انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج صبيحة أمس الأول الأربعاء وقف ميت رومني أمام جمهور ناخبيه وأقرَّ بالهزيمة وقدم التهاني لمن وصفه برئيسه الذي كان حتى قبل لحظات خصمه اللدود ونده، وبعد أن أنهى كلمته انسل مع عائلته بهدوء ليبتلعه باب في أقصى المنصة يلج منه إلى عمق التاريخ الأمريكي وينسحب من خلاله من حياة الأمريكيين، يحمل صفة مرشح الجمهوريين الخاسر أمام الرئيس الأمريكي باراك أوباما، هذه هي الصورة الأولى.
أما الصورة الثانية فهي صورة الرئيس الأمريكي الذي ينتخب لدورتين كبوش وكلينتون والآن أوباما وحتى الذي ينتخب لولاية واحدة كبوش الأب وكارتر، فإنهم وبعد انتهاء ولايتهم يفعلون الفعل الأول ذاته، ينسحبون وينسلون إلى حياتهم الخاصة برضا عظيم واكتفاء ذاتي كبير، إلى أن يُطلَبوا لنشاط أممي أو دولي أو انتخابي أو حتى ديني ككارتر مثلاً، هذا الرئيس الذي تفصله لحظات انتخابية قليلة عن كونه يشغل منصب رئيس أكبر دولة في العالم وصاحب الكرسي الأكثر رغبة، هذا الرئيس تفصله هذه اللحظات ليتنحى جانبًا وينسل بهدوء مطلق إلى التاريخ تاركًا كل أسباب القوة التي كان يتمتع بها قبل لحظات لمن سيخلفه في منصبه.
قرأت وسمعت هذه الأفكار أمس الأول من عدد من الإخوة المحامين والإعلاميين الذين يتحسرون على واقعنا العربي إذا ما قيس بهذا الواقع، وحقيقة فإنني أيضًا تتملكني هذه الغيرة من رائدة الشر العالمي، أمريكا وزعاماتها وقياداتها يضربون المثل في التنحي عن الحكم وإعادة الأمانة التي اؤتمنوا عليها لشعوبهم فور اتخاذ هذه الشعوب قرارًا بضرورة تنحي هؤلاء الحكام عن كراسيهم لصالح من تعينهم الشعوب مكانهم.
هذه الصورة إذا ما وضعناها أمام صورة الانتخابات في عالمنا العربي حتى ما بعد ثورات الربيع العربي، فإننا لا بد أن تتملكنا الدهشة والاستغراب، ففي مصر وفي تونس وفي ليبيا تلك الدول التي أزاحت فيها الثورات حكامًا متسلطين "تملكوا" البلاد والعباد لثلاثين وأربعين سنة لا يزال الأبناء الأيديولوجيون لتلك الأنظمة البائدة على مختلف مسمياتهم (اليسارية والقومية والليبرالية... إلخ ) غير مسلِّمين بقرار الشعوب التي انتخبت غيرهم لقيادة البلاد، فرغم أن الانتخابات في مصر على سبيل المثال قد أتت بالإخوان المسلمين لقيادة البلاد (وقد تأتي بغيرهم) فإن كل مخلفات النظام السابق وهم الذين يمثلون الفضاء العام للنهج البائد بمسميات مختلفة ومتنوعة، ما يزالون يراوحون مكانهم ويدَّعون الحقيقة والأحقية في حكم البلاد رغم أن الشعب قد فصل وقرر وقال كلمته ونصَّب رئيسه، لماذا لا ينسجم هؤلاء مع أسس النظام الذي يدعون أنهم يريدونه أن يحكم البلاد، وهو النظام الذي يضمن عملية تبادل السلطة كل فترة انتخابية تحدد مدتها أنظمة الدستور المعمول بها فيها؟ لماذا لا ينسحبون بهدوء من حياة شعوبهم ويوفرون المناخ والأجواء الايجابية للرئيس المنتخب وفريقه لخدمة البلد كما تفعل غيرهم من الشعوب؟ وعندما تقترب الانتخابات فليصحوا وليروجوا لبرامجهم ولينتخب الشعب خياراته مجددًا.
هذا لسان حال العديد من الإخوة الذين عبروا عن ذلك بكلمات مختلفة، وحقيقة هو حال الجميع لكننا نعزي أنفسنا ونقول إن شعوبنا لم تخض أصلاً هذه الطريقة في الحكم سابقًا، وكانت طريقة تداول السلطة لدينا مختلفة عما هي عليه النظم الديمقراطية، فإنها وإن انتقلت إلينا اليوم إلا أننا نعلم أن حرية التعبير والكلمة والعبادة قد كفلها لنا الإسلام منذ كان، وصادرتها الأنظمة الدكتاتورية التي بدأت تتهاوى شيئًا فشيئًا، وهي وإن تأخرت قاطرتها في سوريا قليلاً لكنها الدربُ عرفتها الشعوب ولن تعود إلى الوراء مرة أخرى.
ومرة أخرى نقول لكل الذين بهرتهم الانتخابات الأمريكية ببهرجها وصولجانها: نحن أمة تصحو الآن من اضطهاد قرن كامل تقدم به أولئك على هذا الطريق كثيرًا، لكن طريق الحرية بدأت بإذن الله ودعونا نحلم قليلاً أننا إلى الانعتاق من العبودية أقرب من تمجيد الذات، والعبودية يا إخوتي، التي أقصدها عبودية حب الذات وتأليه النفس لأنها أقسى وأصعب من ظلم الحاكم، فالحاكم مهما ظلم يمكن خلعه بثورة قوامها 18 يومًا تزيد أو تنقص، واسألوا شعب مصر العظيم.