"يتساءل هؤلاء الإخوان المحبوبون الذين يرمقون الإخوان المسلمين على بعد ويرقبونهم عن كثب، قائلين: من أين ينفقون؟ وأنى لهم المال اللازم لدعوة نجحت وازدهرت كدعوتهم والوقت عصيب والنفوس شحيحة؟ وإني أجيب هؤلاء بأن الدعوات الدينية عمادها الإيمان قبل المال والعقيدة قبل الأعراض الزائلة، وإذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه وسائل النجاح جميعًا، وإن في مال الإخوان المسلمين القليل الذي يقتطعونه من نفقاتهم ويقتصدونه من ضرورياتهم ومطالب بيوتهم وأولادهم ويجودون به طيبة نفوسهم سخيةً به قلوبهم يود أحدهم لو كان له أضعاف أضعاف فينفقه في سبيل الله فإذا لم يجد بعضهم شيئًا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ماينفقون".
هذه هي كلمات حسن البنا الذي كتبها عام 1934 في سلسلة مقالات "إلى أي شيء ندعو الناس؟!" ثم عاد في نفس العام وفي سلسلة مقالات "هل نحن قوم عمليون؟!" ليرد مرةً أخرى على هذه التساؤلات والاتهامات حول مصدر المال الذي ينفق منه الإخوان بشيء من التفصيل؛ حيث ذكر "وإن الناس ليتقولون كثيرًا وليظنون- وبعض الظن إثم- ولينطقون بما ليس لهم به علم وما علينا في ذلك من بأس وحسبنا أن يعلم الله أن ذلك بتوفيقه وإنها أموال الإخوان الخاصة، أنفقت بإخلاص فأثمرت وبوركت وآتت أكلها بإذن ربها، وحسبنا أن نقول لهم في عبارة واضحة نتحدى بها كل إنسان وكل هيئة وكل شخص كائنًا من كان: إن جماعة الإخوان المسلمين لم تستعن في مشروعاتها بغير أعضائها وهي بذلك فخورة تجد لذة التضحية ونشوة الفرح بالإنفاق في سبيل الله, ولعلك تعجب كذلك إذا علمت أن الاشتراك المالي في جماعة الإخوان اختياري لا إجباري وأن العضو الذي يتخلف عن دفع الاشتراك لا ينقص ذلك من حقوق إخوته شيئًا، ومع أن هذا نص صريح في القانون الأساسي للجماعة فإن الإخوان جزأهم الله خيرًا يبادرون إلى التضحية في سبيل الله إذا دعاهم إليها داعي الواجب ويأتون في ذلك بالعجب العجاب".
والحقيقة أن ما ذكره البنا ردًّا على المشككين والذين يلقون الاتهامات دون بينة أو دليل يبقى هو الرد الوحيد على هؤلاء الذين يثيرون هذه الشبهات على مدى أكثر من ثمانين عامًا دون أن يقدموا دليلاً أو وثيقة واحدة تؤيد مزاعمهم حول تلقي الإخوان أموالاً من جهات أجنبية، وبالرغم مما تعرض له الإخوان من اضطهاد ومحاكمات سواء في العهد الملكي أو الجمهوري فلم توجه لهم رسميًّا وعلى مدى كل المحاكمات التي تعرضوا لها في كل العهود بما في ذلك المحاكمات العسكرية التي تعرضوا لها في عهد الرئيس السابق أي تهمة تتعلق بتلقي أموال والتهمة الوحيدة التي وجهت لهم لمرة واحدة في عهد الرئيس السابق من جانب أمن الدولة بغسيل الأموال تم تبرئتهم منها، وفي ظل المحاكمات العسكرية ولا توجد وثيقة واحدة لها أدنى اعتبار تؤيد هذه المزاعم والافتراءات.
وأنا هنا أتحدث كباحث في مجال التاريخ قبل أن أكون منتميًا للإخوان وقد راجعت كل ما وقع تحت يدي من الوثائق البريطانية التي تغطي الفترة من عام 1928 حتى 1954 والتي نشرت بالكامل فلم أجد وثيقة واحدة ذات مصداقية تقدم دليلاً واحدًا على تلقي الإخوان أموالاً من أي جهة أجنبية ولم يقدم المعادون للإخوان وأعداء الفكرة الإسلامية وكتبة الحكومة وبعض الباحثين الذين صنعهم أمن الدولة على عينه وصنع لهم بعض مراكز الأبحاث وفتح لهم الفضائيات دليلاً على دعواهم؛ اللهم إلا نشر الأكاذيب وفبركة الأخبار عن تلقي الأموال من هنا وهناك؛ سيرًا على مبدأ "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس".
والغريب أن أحد كتبة أمن الدولة قد خرج علينا بادعاء أن الإخوان تلقوا في انتخابات 2010 "800" مليون جنيه من جهات أجنبية، ثم ادعى كاتب وباحث أمن الدولة أن منهم 400 مليون جنيه من إيران، وهو اكتشاف يخلد اسمه وقدراته الخارقة في التاريخ بعد أن فاق كل أجهزة الأمن والمخابرات في مصر وأمريكا والغرب بهذا الاكتشاف العظيم!! وبعد أن وضعها فى موقف حرج وأثبت فشلها وعجزها!!.
إن الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن الأموال الوحيدة التي استولت عليها أجهزة الأمن هي الأموال التي تبرع بها الإخوان والشعب المصري، والتي كانت متجهة من مصر إلى غزة لمساندة ودعم أهل غزة في مواجهة الحصار الذي فرضه الكيان الصهيوني عليهم بمعاونة نظام مبارك ولم نسمع عن ضبط أموال متجهة من الخارج إلى داخل مصر؛ إن الحديث عن تلقي الإخوان أموالاً من الخارج وذكر أرقام محددة هي عبارة عن ترهات وأكاذيب يتم توظيفها فى التجاذبات السياسية؛ لأن أقصر طريق لمن يملك أي دليل جدي وحقيقي حول هذا الأمر هو مكتب النائب العام.
إن مصادر الإنفاق لجماعة الإخوان لم تكن سرًّا حربيًّا كما يتصور البعض؛ فمصادر الإنفاق بها كانت معروفة لجميع أجهزة الدولة، خاصة الأجهزة الأمنية، التي لم تكن لتتورع في إطار حربها الشرسة ضد الإخوان للتنكيل بهم وتقديمهم للمحاكمات بهذه التهمة لو وجدت دليلاً واحدًا يؤيد هذه الدعاوى الزائفة، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى في ظل المحاكمات العسكرية التي أحيل إليها الإخوان.
لقد كانت إجابة الإخوان واضحة منذ حسن البنا حول مصادر تمويلهم، وهي الحقيقة التي يعرفها قطاعات واسعة من المهتمين بالشأن العام والباحثين في مجال الحركات الإسلامية وربما كانت الملاحقات الأمنية من جانب النظام السابق وعدم الإعلان التفصيلي من جانب الجماعة عن طبيعة الاشتراك المالي الذي يدفعه عضو الجماعة نتيجة هذه الملاحقات هو الذي أعطى الفرصة للمشككين لإثارة الغبار حول هذا الأمر، ولكن بعد سقوط النظام السابق فقد أصبح معروفًا مصادر تمويل الجماعة بصورة علنية وواضحة، وإن لم تصل الصورة كاملة لبعض القطاعات المختلفة من الشعب.
إن مصادر دخل الإخوان لمن يبحثون بصدق عن الحقيقة تتمثل في ثلاثة أوجه أساسية:
الوجه الأول: العمل الخيري التي تقوم به الجماعة، سواء عبر الجمعيات الخيرية التابعة لها والمرخصة من جانب الشئون الاجتماعية، والتي تخضع لمراجعة الجهاز المركزي للمحاسبات، أو من خلال قسم البر بالجماعة، والتي تعتمد في مشروعاتها الخيرية المتعددة بصورة أساسية على تبرعات أبناء الشعب المصري الذين يثقون بالإخوان وأمانتهم في إنفاق هذه الأموال لمن يستحقون والجزء الأكبر من هذه الأموال يأتي به الناس للإخوان دون الطلب منهم ذلك؛ لما يلمسون من الجهود الخيرية الكبيرة التي يقوم بها الإخوان، هذا فضلاً عن تبرعات الإخوان أنفسهم من زكاة وصدقات.
الوجه الثاني: العمل السياسي وبالتحديد الانتخابات وهي التي تلفت الانتباه خاصةً في ظل الإنفاق المتزايد على الحملات الانتخابية، والحقيقة وبالرغم مما يبدو من دعاية مكثفة من جانب الإخوان في بعض المناطق خاصة التي لا يوجد بها مرشحون من رجال الأعمال والذين ينفقون ببذخ لا يستطيع أن يجاريهم فيه الإخوان؛ فإن دعاية الإخوان الانتخابية تظل الأقل تكلفة بين المرشحين المتنافسين بجدية؛ نظرًا لاعتمادها بصورة أساسية على جهود الإخوان التطوعية، فضلاً عن تحملهم تكلفتها المادية فإلاخوان هم الذين يتحملون العبء المالي للحملات الانتخابية بصورة أساسية، من خلال قيام كل منطقة إخوانية بتحديد مبلغ مالي للإنفاق على الحملة الانتخابية، ويتم تقسيم المبلغ على أعضاء الإخوان بالمنطقة.
وبالإضافة للعبء المالي فإن الإخوان يقومون متطوعين بالقيام بأعمال الدعاية المختلفة من تعليق اليافطات والمسيرات وكمندوبين باللجان الانتخابية إلى غير ذلك من أعمال الانتخابات، وهذه الأعمال التطوعية تخفف كثيرًا من الأعباء المالية على الجماعة، ولنا أن نتصور بندًا واحدًا من الأعمال التطوعية، وهو الخاص بمندوبي المرشحين في اللجان، فمع اتساع الدوائر الفردية في الانتخابات الأخيرة أصبح عدد اللجان الانتخابية كبيرًا ويتجاوز الـ600 لجنة، ولو افترضنا أن المرشح له مندوب بكل لجنة أي 600 مندوب، وأن كل مندوب يتقاضى 100 جنيه، وهذه هي التسعيرة السائدة للمندوب في المناطق الريفية فإن المطلوب من المرشح خلال يومي الانتخابات 120 ألف جنيه ويتضاعف المبلغ إذا دخل المرشح الإعادة، بل وقد يتضاعف مرةً أخرى إذا حكم القضاء بإعادة الانتخابات في إحدى الدوائر وحتى لو افترضنا أن المرشح لم يكن له مندوبون إلا في ربع اللجان أو أن المندوب يتقاضى أقل من مائة جنيه، وإذا استبعدنا من يحملون توكيلات عامة فلنا أن نتخيل حجم المبالغ التي تنفق في هذا البند فقط، والتي لا تتحمل منه جماعة الإخوان مليمًا واحدًا؛ حيث لا يتقاضى مندوبو الإخوان ومؤيدوهم أي مقابل مادي.
الوجه الثالث: أقسام الجماعة وأنشطتها المختلفة، وينفق عليها من اشتراك الأعضاء، والحقيقة أن الاشتراك المالي في جماعة الإخوان يختلف عن الاشتراك في أي جماعة وهيئة أخرى، فلا يوجد في الجماعة مثل الجمعيات والهيئات الأخرى قيمة اشتراك بمبلغ محدد ثابت، سواء شهريًّا أو سنويًّا، فالاشتراك في الإخوان عبارة عن نسبة من الدخل الكلي للعضو يدفعه شهريًّا ويتراوح من 5% إلى 7% من دخله الكلي، وهو بذلك يحقق العدل والمساواة بين أعضاء الجماعة، فيستوي من دخله 200 جنيه ويدفع اشتراك 10 جنيهات مع من دخله مليون جنيه ويدفع اشتراك 50 ألف جنيه، كما أن هذا الاشتراك خاضع للنقص والزيادة نتيجة زيادة أو نقص دخل العضو، كما أن العضو ذاته هو الذي يحدد قيمة اشتراكه ويدفعه عن طيب خاطر؛ إيمانًا منه بدعوته والتضحية في سبيلها، ولنا أن نتخيل الحجم الذي يحققه الاشتراك المالي للجماعة إذا ضربنا أقل تقدير لعدد الإخوان على مستوى الجمهورية في مبلغ 50 جنيهًا إذا اعتبرنا أن متوسط الدخل لأعضاء الإخوان على اختلاف مستوياتهم المالية ألف جنيه.
والحقيقة أن الأعباء المالية أو بمعنى أدق التضحيات المالية الواقعة على عضو الإخوان لا تتوقف فقط عند الاشتراك الشهري، فكثيرًا ما أنشأت الجماعة صناديق يمولها الأعضاء خلاف الاشتراك الشهري لدعم ومساعدة أسر المعتقلين من الإخوان، وكذلك لدعم الفلسطينيين فى غزة لمواجهة الحصار الصهيوني عليهم، وكذلك للإنفاق على الحملات الانتخابية كما سبق الإشارة إلى ذلك؛ لذلك فإن القول بأن نفقات الإخوان من جيوبهم هو عين الحقيقة.