الكوارث الطبيعية، والنوازل البيئية، رسائل إلهية وآيات ربانية لسكان الأرض، ابتلاء وتمحيصًا، اختبارًا وتخويفًا، (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً) (الإسراء: 59) والناس ينقسمون في استقبالهم لهذه الآيات..!! فمنهم من يخاف الله فيؤمن ويبصر ويتذكر ويتعظ ويفعل ما يؤمر!! (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل: 50)، وآخرون رغم هذه الآيات والإنذارات يتجهون للطغيان..!! (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: 6-7) ومن ثم إلى ظلم الناس، فما كان منهم إلا أن بنوا مجدهم على أنقاض الآخرين، وبنوا غناهم على فقر الآخرين، وبنوا قوتهم على ضعف الآخرين، وبنوا أمنهم على خوف الآخرين، وبنوا عزهم على ذل الآخرين، وبنوا حياتهم على موت الآخرين.. ساندي هل هو كارثة طبيعية أم عقوبة إلهية..؟! هذا ربما تجيب عنه السطور التالية..!!

عاد الأولى (العاديون): قادهم العِلم إلى القوة، فاغتروا بالحلم وطغوا بالعلم، استخدموه في ظلم الناس وذلهم، فضرب الله لنا مثلاً في القرآن الكريم بهؤلاء القوم ونموذجًا متكررًا لهذا الإنسان الذي طغى وبغى ونسي وتجبر وتكبر..!! فعاد تفوقت في شتى الميادين.. أولاً: لم يُخلق مثلها في البلاد (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) (الفجر: 7-8)، ثانيًّا: تفوقت بالبناء والحصون والصناعات، قال تعالى: "(تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء :128-129) ثالثًّا: تفوقت بالقوة العسكرية قال تعالى: (وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) (الشعراء: 130) رابعًا: تفوقت بالناحية العلمية قال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (العنكبوت:38 ) خامسًا: لم يكن فوق عاد إلا الله، بدليل أن الله ما أهلك قومًا إلا وذكرهم أنه أهلك من أشد منه قوةً، إلا عادًا حين أهلكها قال:"(أوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون)(فصلت:15).

 

وعاد بسبب تفوقها وبعدها عن الله تكبرت بغير حق، واستعلت بغير دليل، وتغطرست بغير داع، تجبرت وبغت، لا في بلدها فحسب بل في كل البلاد، قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)(فصلت: 14) كان يجب أن تؤمن وتشكر، وإنما طغوا في البلاد كلها، ليصف طغيانهم بالشمول، وأنهم أكثروا فيها الفساد فعم إفسادهم في الأرض، فأهلكهم الله (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى) (النجم:50) وهذا يعني أن هناك عادًا ثانية، وثالثة، لقد كان تأديبهم بالأعاصير (ساندي العاديون) التي تدمر كل شيء أتت عليه.(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) (الحاقة: 5-6) انظر إلى أعجاز نخل خاوية..!!

 

 هؤلاء الذين حازوا العلم والقوة والتفوق لما بعدوا عن طريق خالقهم ومانحهم حولهم في ساعات إلى شيء هش وضعيف كأعجاز نخل خاوية..!! نعم؟ (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر:13-14) أي بالمرصاد لكل من يكون على شاكلة عاد من أمم الأرض.

 

القريشون: قوم عارضوا الإسلام وقاوموا الدين وسخروا من الأنبياء، وحاولوا اغتيال أحب خلق الله إلى الله، قتلوا صحابته ومثلوا بعمه حمزة رضي الله عنه وتجمعوا لينتقموا منه في غزوة الأحزاب..!! حتى ظن الناس أنه بقي للإسلام ساعات؛ حيث اجتمع في الجزيرة عشرة آلاف مقاتل جاءوا ليستأصلوا الإسلام، وعندما شاع خبر الأحزاب خاف المسلمون على ذراريهم من بني قريظة، ومروا بوقت عصيب وابتلاء عظيم، ونزل القرآن يصف هذه الحالة: (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب:10).

 

فالذين جاءوهم من فوقهم هم الأحزاب، ومن أسفل منهم هم بنو قريظة، والذين ظنوا بالله الظنونا هم المنافقون، أما المؤمنون فقد صمدوا لهذا الامتحان، فهبت ريح هوجاء في ليلة مظلمة باردة (ساندي قريش)، فقلبت قدور هم واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم ودفنت رحالهم، فما كان من أبي سفيان إلا أن ضاق بها ذرعًا فنادى في الأحزاب بالرحيل، وكانت هذه الريح من جنود الله الذين أرسلهم على المشركين، وفي ذلك يقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودا لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا) (الأحزاب: 9)، وختم الله هذا الامتحان الرهيب بهذه النهاية السعيدة، وجنب المسلمين شر القتال (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خير وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) (الأحزاب: 25)، وكانت هذه الخاتمة استجابة لضراعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله أثناء محنة الحصار: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم.

 

الأمريكيون: تتذكرون ضرب العراق وأفغانستان والصومال وفلسطين وحصار غزة، وأموال الجمعيات الأهلية، وتهريب المتهمين فيها، وإمداد العدو بكل أنواع الدعم وأخيرًا ما يحدث في سورية من ضرب المسلمين ربما بأيدي عربية، لكن بدعم أجنبي عدائي..!! ثم تتذكرون من أين خرج الفيلم المسيء لحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم..!! ثم ضرب المصنع السوداني..!! من يساعد على تمرير وتمويل كل هذه الجرائم؟! لا شك أن الأمريكيين لهم باع طويل في ذلك..!! لهم فساد تقريبًا في معظم البلاد، وكأنهم أيضًا طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، لذلك الله لهم بالمرصاد، يعلمهم أنه فوق كل ذي علم عليم..!! وأنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء بصير وأنه غالب على أمره، وأن أحدًا لن يفلت من يده، وأنه سبحانه لأقوى من كل قوى وأغنى من كل غنى، وأعز من كل عزيز(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26) فأرسل الله عليهم ساندي(أمريكا)..!!

 

جاءهم إعصار ساندي فدمر سدودهم، واقتلع منازلهم، وضاعف خسائرهم، ما يزيد عن خمسين مليار دولار خسائر في بضعة ساعات من الرياح العاتية والإعصار المدمر.. سبحان الله..!! ليست شماتة، وإنما عبرة وعظة، فهل يتعلمون؟ هل يتعظون؟ ربما..!! لكن الأهم والمهم أن يتعظ المتقون كيف؟ (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة: 2) مع أننا يجب أن نفرق بين الشعب الأمريكي الذي يدخل منه كل يوم في الإسلام، والساسة الأمريكيين الذين يقيمون مجدهم وبناءهم على أموال العالم العربي وأحقاد اللوبي الصهيوني كيف؟ الحال أبلغ من المقال..!! وأرى كما ندعو على الساسة لظلمهم وعنادهم بالانتقام، ندعو للشعب هناك بالهداية، كما تعلمنا من حبيبنا صلى الله عليه وسلم: اللهم أخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئًا.. من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله!! والله يقول الحق وهو يهدي السيل.

 

----------------

 

aLnakeeb28@yahoo.com