الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد..

أيها المسلمون، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (إِنَّ هَـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) صدق الله العظيم. لقد أكرم الله البشرية برسالة سيدنا محمد، هذه الرسالة التي ختم الله بها الرسالات وبها فضل الأمة الإسلامية وجعلها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، هذه الأمة الإسلامية التي تكونت بفضل الله تعالى ثم بجهد النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين معه، حيث أتوا على أمة مبعثرة ممزقة تتبع الشرق والغرب والفرس والروم عن طريق الغساسنة والمناذرة، فجمعهم ورتب صفوفهم وألف بين قلوبهم، وجعلهم خير الأمم بعد أن كانوا عبادًا للصنم وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.


هذه الأمة تملك إمكانات متعددة ومختلفة لو أحسنت استغلالها لكانت الرائدة كما كانت دائمًا، وهذا المشهد السنوي الذي نراه كل عام مشهد الحج الذي يبرز لنا وحدة الأمة حيث تتوجه القلوب والأجساد نحو رب واحد وقبله واحدة لباسهم واحد وهتافهم واحد إنه درس هام يجب أن تتعلمه أمة الإسلام وتتوحد فيما بينها وهذا الموقف يذكر الأمة بأنها تمتلك أسباب القوة ومن ذلك:


أولاً: القوة والقوة البشرية وهي القوة العددية، حيث إن الأمة الإسلامية تملك من البشر ما يزيد على المليار ونصف من المسلمين المؤمنين بعقيدة التوحيد، منتشرين في قارات العالم الست، إن العبرة بالكيف لا بالكم، لكن الكم مهم أيضًا، لذلك نرى محاربة الغرب للمسلمين في نسلهم وفي عددهم، وفي ذلك يقول الله تعالى من باب الإنعام والفضل في سورة الأعراف (وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) (الأعراف:86) صدق الله العظيم.


ثانيًا: القوة المادية والاقتصادية، إن الأمة الإسلامية تملك من خيرات الله الشيء الكثير، تملك الأرض الخصبة في السهول والوديان، تملك الجبال والهضاب، تملك البحار والبحيرات والأنهار العظام، تملك العيون والآبار، تملك مخزونًا كبيرًا من المياه الجوفية، حيث إن الحروب المقبلة ستكون على المياه، تملك معظم المعادن التي يحتاجها العالم المعاصر، وتملك مخزون العالم من النفط، إنها تملك الأموال والسوق والعقول وتملك الشيء الكثير. لكن أين موقع هذه النعم وهذه الأموال؟

ثالثًا: القوة الروحية، إن الأمة الإسلامية أمة ذات عقيدة واضحة ندعو إليها ونحيا من أجلها ونلقى الله إن شاء الله عليها، هذه العقيدة الصافية جاءت شاملة كاملة (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء) (النحل:89)، عقيدة تربي الأخلاق (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، عقيدة تقوم على الوسطية (وَكَذلِكَ جَعَلْنَـاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة: 143)، إن العالم اليوم بحاجة إلى العقيدة الإسلامية لتأخذ بيده من الظلام إلى النور، من الخوف والضياع إلى الأمن والاستقرار، من الفساد الخلقي والاجتماعي إلى الأمن والأمان والحياة الكريمة الطيبة.

أيها المسلمون.. أيها المؤمنون.. إن الأمة الإسلامية يجب عليها أن تحسن استخدام هذه القوى والنعم في طاعة الله ورسوله؛ لأنه لا مكان للضعفاء ولا للمتفرقين ولا للمتنازعين، لننظر إلى من حولنا لنرى بأن أوروبا وأمريكا- بعد أن سقط الاتحاد السوفيتي وبعد أن أصبحت أمريكا هي القطب الوحيد- يقول الغرب: ليس لنا عدو الآن إلا الإسلام، وصوره بأنه دين الإرهاب وينفقوا الملايين ليصدوا عن سبيل الله ويشوه صورة الإسلاميين بأنهم جماعة من القتلة ومصاصي الدماء، ونسوا أو تناسوا جرائمهم البشعة وقتل الأطفال والأبرياء وتشريد الشعوب، الشعب الفلسطيني والشعب العراقي وكافة بقاع العالم، إنهم يريدون أن يشوهوا وجه الإسلام المشرق، فما رحل المحتل البغيض من منطقة إلا وترك فيها بؤرًا للنزاع والتناحر كما يجري حاليًا في كشمير بين باكستان المسلمة والهند.

إن الأمة الإسلامية أمة عظيمة فيه ملتقى القارات ومنبع الحضارات ومهبط الرسالات هذه الأمة التي كانت الرائدة وطأطأ لها الشرق والغرب احترامًا وإجلالاً ما بالها أصبحت اليوم في العالم الثالث في الدول النامية، ولو كان هناك عالم عاشر ومائة لكانت فيه، لقد أخرج الإمام أبو داود في سننه عن ثوبان أن قال: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قلنا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".

هذا الحديث يتحدث عن مؤامرة دولية ضد الإسلام تتداعى فيها قوى العالم ضد المسلمين الذين أصبحوا لقمة ضائعة لكل جائع أو طامع، والواقع يقول بذلك، حيث اجتمع علينا الشرق والغرب واليمين واليسار وأهل الكتاب وأهل الإلحاد كما قال الله تعالى (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (المائدة:50)، فلا بد للأمة أن تصحو من غفلتها وأن تستيقظ من سباتها وأن تعتصم بحبل ربها وأن تعمل بسنة نبيها حتى يكرمها الله تعالى كما أكرم المسلمين من قبل.

انظروا أيها الإخوة إلى ما يحدث على أرض فلسطين من أعمال بشعة ومن إجراءات ظالمة، ويدافع الفلسطينيون عن أرضهم، أين أصحاب الملايين من العرب؟ أين أصحاب الملايين من المسلمين؟ في حدائق الحيوانات؟ أم للهو والفجور؟ أم للغانيات والمطربات؟ أو للزنا وارتكاب المحرمات؟ لماذا لا يُدعم المقدسيون الذين يتعرضون يوميًا للقتل والتشريد وهدم البيوت ومصادرة الهويات؟ لماذا لا يدعم الفلسطينيون الذين هم في رباط إلى يوم القيامة؟ لابد أن تتوحد الأمة ويكون الحج بداية التوحد والاعتصام وتعلن الأمة بصوت قوي: لا لتهويد القدس ولا لتدويل القدس، القدس عربية إسلامية، وكانت وما زالت وستبقى بإذن الله إلى يوم القيامة.

أيها الأحبة في الله.. يجب علينا أن نتحابب وأن نتعاضد، يجب علينا أن نرص الصفوف وأن نجمع الشمل وأن نوحد الكلمة، ونحن أمام عدو لا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، لنتناسَ الخلافات فيما بيننا ونعاهد الله على السير على نور كتابه الكريم وهدى نبيه محمد عسى أن تدركنا رحمة الله عز وجل. جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم".

أيها المسلمون.. يا إخوة الإيمان في كل مكان، نحن في وقت أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة وجمع الكلمة، ومن حقنا ذلك، بل هو أمر واجب، وإن الوضع القائم من التفكك والاختلاف ينذر بتطاير ريح المسلمين، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّـابِرِينَ) (الأنفال:46).


أيها المسلمون.. يا إخوة الإيمان في كل مكان، لقد نهى ديننا الإسلامي العظيم عن التنازع والتفرق والتخاصم في كثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، منها قوله سبحانه وتعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (آل عمران:103)، وقوله: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَـاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105)، وقوله أيضا (وَأَنَّ هَـذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) (الأنعام:153)، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء) (الأنعام:159)، وقوله: (وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم:31، 32).


أيها المسلمون.. من الأحاديث النبوية الشريفة قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث مطول: "لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض"، يعني أن هذا العراك الدامي هو شأن الكافرين، شأن الكافرين فلا يجوز أن ينطبق عليكم أيها المسلمون، وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم، ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".

ففي هذا الحديث النبي الشريف توجيه عظيم للأمة الإسلامية أفرادًا وجماعات وحكامًا لتحقيق الوحدة باجتناب مسببات الفرقة الخلاف والنزاع، ففيه أمر بالاعتصام بكتاب الله الذي لا خلاف عليه بين الأمة، وهو الراية التي تجمعهم، وهو اللواء الذي يقودهم.

أيها المسلمون.. إن ديننا الإسلامي العظيم حريص كل الحرص على سلامة الأمة الإسلامية وعلى وحدتها وحفظ كيانها، لذا فهو يطفئ بوادر الخلاف والنزاع والشقاق، ونهيب بالمسلمين جميعًا أن يتآلفوا، فالألفة تجمع الشمل وتمنع الذل، وأن يتكاتفوا على إخراج الأمة من النزاعات والشقاقات، والله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)، ويقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: (يد الله مع الجماعة)، ويقول أيضًا: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".

أيها الإخوة: رغم الجراح المؤلمة ورغم الظروف القاسية ورغم ما نراه ونسمعه في هذا العالم من ظلم واستبداد وكيل بمكيالين إلا أن ثقتنا في الله كبيرة، إن ثقتنا في الله عظيمة، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة فيها الخير وفيها ما يطمئن القلوب ويبعث الأمل في النفوس، أنه إن شاء الله سيكون المستقبل لهذا الدين، فالليل مهما طال فلابد من بزوغ الفجر، وإن الفجر آت بإذن الله. ويكفي هذا الموقف والمؤتمر العالمي للحجج بيت الله الحرام انه يلقي في القلب الثقة وان المستقبل لهذا الدين رغم الحرب والغزو الفكري والظلم من الذي يجمع هذه الملايين كل عام إنها المبشرات التي تقول أن الإسلام قادم وأن المستقبل لهذا الدين.

ومن هذه المبشرات ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله سئل: يا رسول الله أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أم روميا؟ قال: (مدينة هرقل تفتح أولاً)، وروميا هي روما عاصمة إيطاليا والقسطنطينية هي إستنبول حاليًا، والتي عرفت في التاريخ الإسلامي باسم إسلام بول، يفهم من السؤال أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قد علموا بأن المدينتين ستفتحان، لكنهم يريدون أن يعرفوا أي المدينتين قبل الأولى، فكان الجواب مدينة هرقل: القسطنطينية التي فتحها القائد المسلم محمد بن مراد المعروف في التاريخ باسم القائد محمد الفاتح، وللعلم فإنه في التاريخ الميلادي يوافق غدًا السبت 29 من شهر مايو آيار ذكرى فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح رحمه الله، وبهذه المناسبة يتذكر المسلمون الأتراك هذه الذكرى، هذا الفتح العظيم كان بعد قرنين من دخول التتار بغداد وسقوط الخلافة، وظن الناس أن الإسلام قد هوى إلى الحضيض وإلى (حيث ألقت رحلها أم خثعم) ونسوا أن الإسلام لن ينتهي من هذه الدنيا لأنه يوم أن ينتهي لن تكون هناك دنيا لأن الشمس ستنطفئ والنجوم ستنكدر والحصاد الأخير سيطوف العالم أجمع (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:23). وها نحن نرى الخير من أهل تركيا وهذه المواقف التي تزيدنا أمل وثقه في نصر الله وأخر ذلك كانت قافلة الحرية والوقوف بجانب الشعب الفلسطيني وأهل غزة.

وأما البشارة الثانية فقد رواها الإمام أحمد في مسنده عن حذيفة بن اليمان أن الرسول قال: "ستكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها ما شاء الله أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة... ثم تكون ملك عاضًّا ثم ملكًا جبريًا ثم تعود خلافة على منهاج النبوة ثم سكت".

هذا يبين بأن الخلافة آتية وأن الإسلام قادم رغم المشككين، رغم الحاقدين، رغم أعداء الإسلام كلهم.

وأقف عند البشارة الأخيرة وبها أختم، وهي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ولعدوهم قاهرين حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" أخرجه الإمام البخاري. وفي رواية لأحمد "لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

أيها الإخوة: إن المستقبل لهذا الدين، فلا بد أن نصبر وأن نصابر حتى يأتي الله بالفرج (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2) فلا بد من الصبر، فما بعد الضيق إلا الرخاء، وما بعد العسر إلا اليسر، ولن يغلب عسر يسرين (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح:5، 6)، قال الشاعر:
ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر

فلنتحابب ولنتعاضد ولنجمع الشمل ولنثق في نصر الله عسى أن تدركنا رحمة من الله، فنحن في أيام مصيرية وفي أوقات عصيبة أحوج ما تكون فيها أمتنا إلى الألفة والرحمة.

ألا وصلوا- عباد الله- على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب:56).