بالنظر للهجمة الإعلامية الشرسة على قرارات الرئيس بتعيين بعض قيادات إخوانية لبعض المناصب التنفيذية الرفيعة في الدولة، نرى بكل موضوعية ونظرة تحليلية عميقة لهذه الأحداث التي تتعلق بعلاقة جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بالبعد السياسي وسياسة الحكم في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط عامة ومصر بعد الثورة خاصة، النقاط الآتية:
1- أن حركة الإخوان تتحرك في دعوتها وتربيتها لأفرادها، سواء كوادرها القيادية أو جموع أفرادها "بأنها دعوة ربانية خالصة لوجه الله تعالى تبتغي إعادة الأمة الإسلامية إلى مجدها وعزتها ولا تبتغي من حطام هذه الدنيا أي شيء من مناصب دنيوية إلا بقدر ما تُلزم به نفسها أمام الله لتحقيق الواجب الشرعي في تحمل المسئولية وتحمل تبعات الرعية" وفق القاعدة الشرعية "وما لا يتم الواجب به فهو واجب" فالمسئولية "تكليف وليست تشريفًا" كما ربو عليها أفرادها منذ نعومة أظفارهم في هذه الدعوة المباركة ولا يسعى إليها أحد برغبة من نفسه، بل يُزكى ويُرشح من غيره وفق خبراته ومهارته وكفاءته ونزاهته في المجال الذي انتخب من أجله.
2- أن حركة الإخوان المسلمين حركة إسلامية عريقة لها تاريخ طويل من النضال ضد الظلم، سواء من الأنظمة الحاكمة المستبدة لشعوبها وأيضًا لها نضال في مقاومة الاستعمار الانجليزي في مصر والصهيوني في فلسطين ولها مشروع إسلامي وسطي المنهج، تتمحور فلسفته وفكرته في شمولية الإسلام في جميع مناحي الحياة (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) ويهدف إلى إعادة بناء الأمة تربويًّا وأخلاقيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا على منهاج النبوة والسلف الصالح، بدءً بالفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم، ثم الدولة الإسلامية، ثم الخلافة الراشدة وأستاذية العالم متبعة بذلك سنة التدرج والصبر على الابتلاءات والمحن والاستفادة بأحدث الأساليب والآليات المعاصرة والتكنولوجيا الحديثة في تحقيق غايتها.
3- لقد أفرزت هذه الحركة عددًا كبيرًا من كوادرها المتميزة في جميع المجالات، وذلك بسبب ممارساتهم العملية في أنشطة الجماعة المختلفة مثل: النشاط الإداري والنشاط التربوي والنشاط الاقتصادي والنشاط الشبابي والمجتمعي إلى آخره من الأنشطة المتخصصة طيلة حياة الفرد منذ لحظة التحاقه بصفوف هذه الجماعة، مما أكسبه كثيرًا من المهارات التي تؤهله للقيام بمهام ثقيلة أمام أي تحديات أو ظروف تقابله يعمل بإخلاص وتفانٍ في العمل لا يبتغي به إلا وجه الله، ناكرًا لذاته متجردًا لدعوته غير مزكٍ لنفسه، علاوة على خبراته السابقة في مجاله المهني أو الأكاديمي، سواء كان من أساتذة الجامعات أو كان طبيبًا أو مهندسًا أو أي وظيفة أخرى إضافة لتفوقه السابق في دراسته الأكاديمية في جميع مراحله التعليمية، كل ذلك كان يكسبه تلك المهارات تحت ظروف أمنية بالغة الصعوبة في جميع الأنظمة المستبدة السابقة، أضف أيضًا لما تقدمه الجماعة من دورات كثيرة ومتنوعة لتطوير أداء كوادرها سواء في الداخل أو الخارج وإضافة لما سبق وتم اكتسابه من خبرات إدارية وعملية لرموزها في مجال النقابات والاتحادات ونوادي أعضاء التدريس وبعض المحليات وثبت نجاحهم ببراعة، وأشاد بهم القريب والبعيد، كل ذلك تحت وطأة القبضة الأمنية الشديدة والاعتقالات والتعذيب والقتل في بعض الأحيان والتضييق عليهم بكل الوسائل والتشويه المستمر في الإعلام المضلل والمأجور، أما آن الأوان في ظل وجود شبه حكومة إسلامية اكتسبت أغلبية نيابية بإرادة شعبية حرة ونزيهة أن يُسند إلى بعض رموزهم مما يُشهد لهم بالتميز والكفاءة بعض المواقع الإدارية ليحملوا هم الوطن ويسعوا إلى حل بعض مشكلاته المتراكمة عبر السنوات السابقة، مستفيدين من خبراتهم وقدراتهم، ولا سيما بتعيينهم في المكان نفسه الذين أفنوا فيه شبابهم وعمرهم في خدمة وطنهم ومناطقهم، وكما يقال "إن أهل مكة أدرى بشعابها".
4- مما لا شك فيه أن نظام مبارك والأنظمة السابقة العسكرية الدكتاتورية منذ أكثر من ستين عامًا عكفت وتفننت في تصحر وتغييب الوعي السياسي للشعب المصري وبث روح الجبن والخوف في نفوس مواطنيه خوفًا على زوال أنظمتهم المستبدة، ومستبعدين كل ذي كفاءة حقيقية وطنية طاهرة اليد من تولي أي مناصب قيادية وإدارية في الحكومات المتعاقبة، سواء إسلاميون أو غير إسلاميين ولا سيما كل من يمت بصلة للتيار الإسلامي الواعي بحقيقة الإسلام، ومنهم الإخوان المسلمون وليس بعض الفئات من الدراويش والمنافقين والمداهنين والمغيبين والمنتفعين ممن ينعتون أنفسهم بالمسلمين المسالمين والتاريخ القديم والمعاصر يكشف زيف هؤلاء المنتفعين، مما حرم الوطن من الاستفادة من خبرات قيادات وعلماء وهامات كبيرة وطنية ونزيهة، منهم من مكث في وطنه يواجه جبروت النظام في إقصائه، ومنهم من هاجر خارج وطنه فاقدًا الأمل في التغيير، كل ذلك كان بإمكانهم أن ينهضوا بهذا الوطن منذ عشرات السنين لولا انعدام الإرادة السياسة لهؤلاء الحكام في التغيير، متشبثين بكرسي الحكم بكل قوة وبطش، مقدمين مصالحهم الخاصة في نهب وخراب وفساد البلاد على مصلحة الوطن. وعلى ما سبق أما أدعى لنا في هذه المرحلة أن نجرب وندرب هذه القيادات المخلصة التي ثبتت في المحن وضحت بالغالي والنفيس من مالها ووقتها ووقت أسرها وراحتهم والتضحية بوظائفهم في وقت كان كثير من الناس والمواطنين على جميع مستوياتهم ينأون بأنفسهم ويؤثرون السلامة في مجابهة بطش الأنظمة السابقة خوفًا على مصالحهم الخاصة، مكتفين بالنقد الشفوي الذي لا يتعدى النكات الساخرة .
5- على مدار أكثر من نصف قرن جربنا جميع الأيديولوجيات والفلسفات الوضعية والنظريات البشرية في أنظمة الحكم السياسي والاجتماعي التي منها الفكر الرأسمالي البرجوازي والنظام الاشتراكي اليساري والفكر الليبرالي الرأسمالي والاقتصاد الحر بدون قيود ومحاسبة وللأسف الشديد فقد فشلنا فشلاً ذريعًا في تطبيقها وفي نتائجها، بل قبل أن تفشل في بلادنا فشلت في موطنها ومنبتها الأصلي وممن حارب من أجلها سنين وللأسف الشديد ترى عددًا كبيرًا ممن يسمون أنفسهم بالنخبة المثقفة يصرون على إعادة تجربتها مرة أخرى متجاهلين أن تاريخ هذه النظريات فشلت في بلادها الأصلية وثبت عدم نجاحها في الواقع، فهي لا تتعدى نظريات فلسفية فكرية بعيدة عن الواقع، ولكن بعض هذه النفوس امتلأت بالحقد والكره لكل ما ينتمي للفكرة الإسلامية ليس إلا انتصارًا للذات والتجمد عند فكر قد تجاوزه التاريخ منذ فترة طويلة، أما آن الأوان لو كنَّا منصفين أن نجرب الفكر الإسلامي أو النظام الإسلامي حتى لو لمرة واحدة من باب إعطاء الفرصة لفكرٍ جديد، أن نختبره ونقيِّمه على أرض الواقع ونتعرف عليه، إن كان ممكنًا أن يصلح لهذا الزمان أو لا يصلح كما يدعي معارضو هذا الفكر، وندع الشعب ليختار ويحكم بنفسه ويكون أيضًا حجة على من يتبنون ويدافعون عن هذا الفكر، مع الأخذ في الاعتبار بكل من يدعي العلم والموضوعية في الحكم والتقييم.
عوامل كثيرة قد تؤثر في النتائج المرغوبة من هذه التجربة الرائدة في الشرق الأوسط، ومن هذه العوامل ما تركه النظام السابق من خراب وفساد كبير في جميع مفاصل وأجهزة الدولة، العجز الكبير في ميزانية الدولة الديون الخارجية والداخلية تدهور حاد في جميع مؤسسات الدولة "التعليم والصحة والقضاء والداخلية....إلخ) أضف إلى ذلك بعض أعلام رجال الأعمال الفاسد والتشويه المستمر لأي إنجاز إيجابي والتركيز على سفاسف الأمور التي لا يُبنى عليها عمل، وفوق كل ذلك تدهور البنية التربوية والأخلاقية والفكرية لكثير من أفراد المجتمع، وأشياء كثيرة لا يمكن حصرها بدقة في هذا المقال، مع إضافة بُعد آخر أنها "تجربة رائدة تحدث لأول مرة في تاريخ مصر المعاصر والقديم، بل في تاريخ الدول العربية والشرق الأوسط"، ويجب ألا ننسى ما يحاك لهذه التجربة من مؤامرات داخلية وخارجية لمحاولة إفشالها من قِبل دول معروفة تناصب العداء للمشروع الإسلامي عامة ولا تريده أن ينجح في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما مصر بذات، لأنها تمثل قلب الأمة العربية والإسلامية، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله، ودول أخرى تخاف على أنظمتها من أن تنهار فلا تريد نجاح الثورات خوفًا على مصالحها وكراسيها من أن تهتز، لا بد لكل مخلص لوطنه أراد الإنصاف والعدل أن يأخذ ذلك في الاعتبار عندما يتصدر للحكم على نجاح هذه التجربة من عدمها وأعطاء كامل فرصتها في الوقت والإمكانات المتاحة.
6- وأخيرًا وليس أخرًا إن جماعة الإخوان المسلمين ليست جماعة أتت من الفضاء الخارجي غزت مصر في العصور الحجرية، بل هي جماعة وطنية تعشق تراب مصر وتسعى لرفعة وطنها بين الأمم وهي جماعة من جماعات المسلمين الدعوية كغيرها من الجماعات، فهي اجتهاد بشري محض مرتكزة في دعوتها ومشروعها الحضاري لنهضة الأمة على "الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح" قابلة للصواب والخطأ ولا تحتكر فهم الإسلام وحدها فهي تجتهد، تصيب وتخطئ ولا تبتغي إلا مرضاة الله سبحانه وتعالى، فإن أصابت شكرت الله وإن أخطأت عدلت عن خطئها واستغفرت الله، تقبل المشورة والتناصح فيما لا يتعارض مع النصوص الثابتة في القرآن والسنة.
7- إن من السنن الربانية التدافع والصراع الأبدي بين الحق والباطل ولكن عندما ينتفش الباطل بكل قوته أمام الحق ويزور الحقائق ويرمى الحق بكل ما أوتي من قوة من أكاذيب واتهامات وسباب واستهزاء وتهم باطلة وبهتان، كما حدث مع سائر الدعوات والأنبياء والرسل السابقة، ومنهم رسولنا الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- تظهر قمة الذوق الرفيع والسلم الاجتماعي في التوجيه الرباني للرسول وممن سار على دربه من الصالحين إلى يوم القيامة، والعبرة ليست بخصوص السبب ولكن العبرة بعموم اللفظ، لأن هذه السنة ماضية في الكون إلى يوم القيامة فنزل قول الحق تبارك وتعالى في سورة المزمل هذه الآيات"وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)" وأنا هنا ليس بصدد الدفاع عن هذا الفكر من باب التعصب والتحيز، بل من باب التعقل والقراءة الواعية لأدبيات الإخوان وممارساتهم الفعلية في المجتمع، بل يوجد الكثير منهم يجيدون هذا الدور وأنا أقلهم علمًا وشأنًا، ولكن هذا من قبيل أعطاء كل ذي حق حقه بتحليل علمي وموضوعي مجرد من التحيز، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان. والله من وراء القصد.
* جامعة حائل المملكة العربية السعودية- atefsalem64@hotmail.com