اشتعلت أو أُشعلت الساحة السياسية المصرية عقب صدرو قرار تعيين النائب العام سفيرًا لمصر في الفاتيكان، وكان واضحًا وجليًّا للجميع أن هناك من يحاول تصعيد الأمورلأقصى مدىوتجاوز جميع الخطوط الحمراء، مساهمًا في زيادة الاحتقان السياسي الواضح في الشارع السياسي المصري ومحاولات الاستقطاب الواضحة، والتي تحوَّلت من مرحلة الخلاف البنائي للخلاف المرضي.

 

وتباكى البعض على استقلال القضاء واستعدادهم للدفاع عنها حتى الموت والتشدق بكلمات رنانة وخطب عصماء حول التعدي على القضاء، في حين أننا لم نسمع لهم صوتًا أو نرى لهم طيفًا أو نجد لهم أثرًا حين تعرَّض القضاء لانتهاكات واضحة وجلية من نظام مبارك بل وأثناء تولي المجلس العسكري للحكم؛ فأين كانوا حينما انتهكت آلاف الأحكام القضائية وضُرب بها عرض الحائط؟ وأين كانوا حينما ضُرب القضاة وسُحلوا أمام مرأى ومسمع من العالم كله؟ وأين كانوا حين تمَّ تزوير الانتخابات والتعدي على القضاة في اللجان وتزوير إرادة الأمة بصورة فجَّة؟ وأين كانوا حين تمَّ تسفير المتهمين الأمريكيين في قضية التمويل الأجنبي؟ ألم يكونوا محبوسين بأمر النيابة؟ أليس في اتصال رئيس محكمة الاستئناف بالقاضي المنظورة القضية أمامه مخالفة صريحة وواضحة وجلية لاستقلال القضاء؟

 

ولماذا لم نسمع لهم صوتًا حينما تمَّ إجراء التعديلات الدستورية التي هددت استقلال الدولة كلها وليس هيئة ما؟!

 

وللأسف فقد حاول البعض توظيف الحدث للإساءة للإخوان المسلمين وتاريخهم وإثارة الادعاءات الكاذبة عليهم، وتناسى هؤلاء أن دور الإخوان المسلمين في حماية استقلال القضاء مسطور بأحرف من نورٍ في تاريخ مصر، مهما حاول البعض التجني والتعدي عليه، فأول مَن انتفض لحماية استقلال القضاء هم الإخوان، واعتقل منهم أكثر من 3 آلاف شخص بعد تضامنهم الشهير مع القضاة وحقوقهم وحفاظًا على استقلالهم، وكان في مقدمة من اعتقلوا الرئيس محمد مرسي والدكتور عصام العريان.

 

وللأسف، فإن البعض اتجه للمزايدة الرخيصة والممجوجة التي تتجاوز الحقيقة والواقع والإنصاف، وتناسوا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

 

وتجسَّد ذلك في ظهور دعوات الإقصاء والتخوين بكثافة للمرة الأولى، وهو ما يُمثل خطرًا حقيقيًّا على مصر وعلى مستقبلها، فالنقد البنَّاء مرحَّب به من الجميع والمعارضة القويمة هي من أهم أسس بناء الدولة، ولكن أن يتحول الأمر إلى حرب ضروس ويتم تخوين فصيل من أكبر وأهم الفصائل السياسية في مصر فهذا هو الخطر بعينه، فلأول مرة يتم تحويل الاختلاف الفكري إلى اعتداء بدني وتسيل فيه الدماء الذكية.

 

إن الدماء المصرية خط أحمر لا يمكن قبول إسالته من أي أحد أو تحت أي مسمى؛ فكيف بمن عقد العزم وبيت النية للاعتداء على إخوانه المسالمين وتسابق للتفاخر والتباهي أمام وسائل الإعلام بأنه ضرب وحرق ودمر؟ فهل هذه هي الروح والأخلاق الثورية التي ستبني الأمة وتعيد أمجادها؟!

 

ومن الملاحظ أيضًا أنه تم استخدام الإعلام بكثافةٍ في هذه المعركة المفتعلة، وتم توجيهه لتبني وجهة نظر واحدة وتسويقها؛ فقد تم تسويق الخبر على أنه إقالة وليس تعيينًا في وظيفة أخرى، ولم يشر إلى أن ذلك جاء نتيجة رغبة شعبية ومطالب ثورية لدعم استقرار القضاء واستقلاله؛ مما أدَّى لإحداث حالة الاحتقان لدى بعض القضاة نيتجة التبني الخاطئ والمتعمد للقضية.

 

إن الأزمة من بدايتها إلى نهايتها تعد معركة نخبوية بين بعض شرائح النخب والقوى السياسية التي سعت لمكسب سياسي وقتي، وكان الإعلام هو السلاح الأبرز فيها، ولم يكن جل الشعب المصري طرفًا مشاركًا فيها، وكذلك لم تكن همومه وأولوياته ضمن أهداف من تدثروا باستقلال القضاء واستخدموه كقميص عثمان.

 

لقد تناسى البعض تاريخه القريب وليس البعيد، وتناسى كذلك أن ذاكرة الشعوب أقوى من ذاكرته، وأن المواقف العملية هي التي تحقق التغيير المنشود، والتي تبقى في ذاكرة الأمم وليس عبرالمنابر الإعلامية والخطب العصماء، فبعض مَن ينادي باستقلال القضاء الآن هو من دعم المستبدين وزيَّن لهم سوء أعمالهم، بل وساهم في إهدار أحكام وهيبة القضاء.

 

إننا نُقدِّر السلطة القضائية، وندرك أنها تكتسي أهمية خاصة؛ باعتبارها أهم ضمانة لاحترام حقوق الإنسان وحماية مصالح الأفراد والجماعات، وما يترتب على ذلك من دوران عجلة الاقتصاد بشكلٍ فعال ومنتج وتنشيط الاستثمارات وتحقيق التنمية.

 

لقد ضحَّى العديد من القوى السياسية- وفي مقدمتها الإخوان المسلمون- بالكثير من حريتهم ومقدراتهم من أجل السلطة القضائية، وكان ذلك في مواجهة آلة البطش والتنكيل للنظام البوليس البائد، ولم يكن في الغرف المكيفة أو الندوات المنعقدة في الفنادق الفاخرة أو أمام كاميرات الفضائيات كما يفعل البعض الآن.

 

إن الباعث الحقيقي لدعم استقلال القضاء يجب أن يكون للحفاظ على الوطن ومكتسباته وحمايته وضمان عدم تغول سلطة على أخرى، أما أن يحاول البعض ركوب الموجة لحماية مصالحه الخاصة وضمان عدم ملاحقته على فساده وتربحه ونكاية في فصيل سياسي فهذا قمة الخطر على الأمة كلها.

 

إن مصر تمر الآن بمرحلة مفصلية من تاريخها، وتتطلب من جميع القوى والتيارات السياسية ومن جميع سلطات الدولة التوحد وتغليب الصالح العام على الخاص وعدم افتعال الأزمات وتضخيمها ومحاولة كسب نقاط على حساب بعضنا بعضًا، ولكن الواقع والحقيقة أننا نسجل نقاطًا في مرمى الوطن وخصمًا من رصيده، فهو الخاسر من هذا التناحر المذموم الذي يعطل ولا يبني.

 

ويروق للبعض من التصيد المتعمَّد والترصد المتكلَّف لكل قرار رئاسي ومحاولة تصوير فشله أو الالتفاف عليه وإيجاد أي ثغرة لتشويهه.. وتناسى هؤلاء أن كل هذا لن ينطلي على الشعب الواعي العريق الذي يميز الغث من الثمين والخبيث من الطيب والباطل من الحق.

 

(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا.. )

 

فلنتكاتف جميعًا لإرساء قواعد حقيقية لاستقلال حقيقي للقضاء يكون حصنًا لنا جميعًا وليس لفئة دون فئة أو للمزايدة على بعضنا بعضًا أو ابتزاز بعضنا بعضًا.

 

حمى الله مصر من كل مكروه وسوء ووقاها شر كل ذي شر.