قد تتألم كثيرًا حين تنظر إلى خريطة الوطن العربي وهي ملونة بأشكال متنوعة كل لون يعطي دولة مستقلة، في حين أن كل تلك الدول كان يغطيها لون واحد في زمن تبكي عليه البواكي، ولكنك تتألم أكثر فأكثر حين تنظر في صورة ميدان التحرير الذي كان يزخر بالناس على قلب رجل واحد، بلسان واحد، وهدف واحد، قد أصبح ألوانًا ملونة، وظهر من يتزعمون أنهم سدنة التحرير، وبني هاشم الثورة وحماة الديار، ولكنهم من بني عبد الدولار.

 

قد يظن الغافلون أن زيارتنا لأمريكا أو للغرب قنطرة عبور إلى إخلاصهم لنا، أو أنها ثمن شرائنا لمودتهم، ولكن ليعلم الجميع أن لهؤلاء يدين، يد تسلم عليك، ويد أخرى تحفر بين قدميك، إن تجربة الاستعمار أعطت للعقلاء درسًا قاسيًا، لقد خرجوا من بلادنا، ولكن عرفوا كيف يعودون، خرجوا وتركوا رسلاً لهم، تركوا أنظمة شكلها عربي، ومضمونها غربي، ظاهرها القومية، وباطنها الماسونية، وحين ثار الشعب على تلك الأنظمة بعد أن فاض الكيل وطفح، لم يدع الغرب أنظمته تتهاوى نظامًا بعد نظام، ولكن يترقب ويسهر، ويبيت ويصبح، وهو يخطط ويكيد، ويستعمل بعض أبناء الوطن، كما استعملهم من قبل قبيل خروجه من الاستعمار، اختار من رباهم على يديه، واختار من  رأي على لسانه شخصية خاوية تبحث عن ذاتها، وظل يمنيهم الأماني، ويرسم لهم خطط مكره، وهم ينفذون لا تفكير، كالطائر الأحمق الذي تعجبه الحبة، ولا يرى تحتها فخًّا.

 

لقد أقلق شكل التحرير برجاله ساسة الغرب، لقد اضطربت أفكارهم وأجنداتهم في الشرق في أقل من عشرين يومًا، وهم يخططون من عشرات السنين، ليعودوا ثانية، فماذا يفعلون؟ عادوا بالفكرة القديمة هي هي، ولكن لأننا كما قال الصهيوني الكبير موشى ديان: "إن العرب لا تقرأ"، عادوا بفكرة التقسيم أو التفرقة، كما فعلوا في الدول العربية والإسلامية من قبل، ألهبوا الفتن في التحرير، وشقوا صف الثوار، ونزل مقص الغرب ثانية ولكن هذه المرة في الميدان الذي روته دماء الشهداء، في الميدان الذي أتت وفود العالم تحج إليه، لترى مناسك الثورة المصرية العتيقة.

 

إن ما يحدث في التحرير الآن، وبعد أن انتهى الشعب من ثورته، إنما هو خيانة للوطن وإشعال لفتنة خامدة، ونزع فتيل حرب نارها ستأكل الأخضر واليابس، وعلى يد من؟ على يد من يزعمون أنهم زعماء وطنيون، وما عرف التاريخ لهم يوما وطنيًّا، وإنما كانت تسبقهم مصالح إلى كل ميدان، يكثرون وقت الطمع ويفرون وقت الفزع، في كل يوم تصريح، يناقض بعضه بعضًا، وفتشوا عن تصريحاتهم.

 

أيها الشعب الكريم، قف واعمل عقلك، إن الوطن يحتاج إلى كل دقيقة عمل وجد، إن الأوقات التي تُهدر في التحرير الآن كفيلة بأن تبنى مصنعًا أو تزرع بستانًا، لا تنساقوا وراء كل ناعق من هؤلاء، فلا منهم للبر داع، وقد ساء صباحهم، فهم مرجفون دعاة فتنة، وعن قريب ستأكلهم النار بحقدهم وحمقهم، فلا تكن مع الغربان الضالة التي لا تقع إلا على الجيف، أو تسرق طعام قوم على سفر.

 

وقديمًا قالوا:

ومن يكن الغراب له دليلاً *** فلا يمر به إلا على جيف الكلابِ

 

----------
* بمدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج.