س- م
ابني في الصف الثاني الإعدادي الأزهري اكتشفت منذ فترة أنه يتغيب عن المعهد ليجلس على المقهى مع أصدقاء السوء دون علم والده رغم أنه كان متدينًا منذ الصغر وأخشى إذا علم والده بذلك أن يقسو عليه فيتمادى أكثر في هذا الطريق، مع العلم أن والده ملتزم دينيًّا ويحفظ كتاب الله ويسعى طوال اليوم على الرزق ليوفر لنا الحياة الكريمة، فماذا افعل؟
يجيب عليها الدكتور رشاد لاشين استشاري اجتماعي في ( إخوان أون لاين ):
الأخت الفاضلة بارك الله فيك وفي ابننا الحبيب الذي يمر بمرحلة المراهقة وفي هذه المرحلة يميل المراهق إلى جماعة الرفاق ويحب أن يكون عضوًا فيها أو قائدًا لها و ينحو نحو الاستقلال عن الوالدين بشكل قوي؛ حيث يزداد الإحساس بالذات وتكون هناك حساسية عالية للنقد ومن ينتقد المراهق يصنفه ضدًا له ولا يقبل المراهق رأيًا يفرض عليه من خارجه، لذا لا بد أن تستخرج القناعة من الداخل بمحض إرادته وعن طيب خاطره أما الرأي الخارجي فهو مرفوض.
الأم الفاضلة سأقدم لك الحل في أربعة محاور:
المحور الأول: الحل السريع.
المحور الثاني: إيجاد مفاتيح للدخول لحياة ابننا المراهق.
المحور الثالث: الترتيب الجيد لعلاقات الابن الحبيب في مرحلة المراهقة.
المحور الرابع: دورك مع زوجك الحبيب.
المحور الأول الحل السريع
الحل السريع الآن هو محاولة التواصل مع الابن عن طريق أحد الأشخاص الذين يحبهم بأن يعرف مكان وجوده ويحاول أن يذهب للمكان بطريقة عفوية وكأنها غير مقصودة ويقوم بالحوار مع الابن في إطار من الحب ويقول له: لن أخبر أباك بهذا ويثني عليه بصفاته الحسنة ويتحاور معه حوارًا يتناسب مع مواصفات الحوار المناسب لمرحلة المراهقة ويتابعه على الدوام حتى يعالج الخلل الموجود بطريقة تنطبق عليها مواصفات الصداقة وليس الأوامر الفوقية.
المحور الثاني: إيجاد مفاتيح للدخول لحياة ابننا المراهق
كيف تمتلكين مفتاحًا للدخول لابنك المراهق وهذه مرحلة بناء الأرضية أو صناعة المدخل:
المفتاح الأول: الاحترام والتقدير والثناء وبذل الحب وبناء جسور الثقة.
المدخل الطبيعي لابنك هو احترامه وتقدير ذاته والثناء عليه بمميزاته، اجلسي مع نفسك واحصري الإيجابيات والمميزات الموجودة في ابنك وابدئي في الثناء عليه: أنا أحبك لأن فيك كذا، أنا اعتز بك لسلوكك الطيب الذي تفعله في كذا، هذا الثناء سيفتح أبواب التقبل والانسجام والتوافق بينك وبين ابنك وبذل الحب يطوع ابنك لك.
(إن المحب لمن يحب مطيع ) كرري له كلمات الحب والاحترام والتقدير لتجدي أرضية تنطلقي منها للحوار معه بالأسلوب الذي يتوافق مع طبيعة مرحلة المراهقة.
المفتاح الثاني: الحوار الذي يحترم عقله ويستجلب القناعة من داخله ولا يفرض عليه أمرًا من خارجه.
وهنا أسوق لحضرتك النموذج الرائع للحوار مع المراهق الذي علمنا إياه أعظم مربٍ وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم حينما جاءه شاب يستأذن في الزنى، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حواره 4 مؤثرات عاطفية ومؤثرًا عقلانيًّا واحدًا:
أول شيء نحى عنه العقاب حينما أراد الصحابة أن يعاقبوه على طلبه فقال صلى الله ( دعوه ) فالعقاب يفسد الجو ويغلق منافذ التقبل، والجو الآمن المطمئن أدعى للتقبل والتفاهم ومن ثم التغيير. المؤثر العاطفي الثاني هو الاقتراب بأن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (ادنُ) فأن نقترب من بعضنا أدعا للانسجام والتفاهم أمام الأصوات العالية عن بعد فهي تفسد الجو ولا يُرجى منها تأثير ولا قبول.
المؤثر العاطفي الثالث: التلامس بأن وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدر هذا الشاب بلمسه حنونة حريصة تمد جذور التواصل والتعاطف والحب فما أجمل أن تحتضني ابنك حضنًا جانبيًّا بحب واعتزاز وحنان واهتمام وتحتضني ابنتك حضنًا أماميًّا أو تضعي يدك على صدره أو على كتفه هذا التواصل في غاية الأهمية وله دوره وأثره الطيب.
المؤثر العاطفي الرابع: بأن رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء ودعا لهذا الشاب: ( اللهم طهر قلبه، اللهم حصن فرجه، اللهم اغفر ذنبه ) وقمة التعاطف أن تدعو لمن تحب وتطلب له من مالك الملك سبحانه وتعالى وهذا يبني جذور الحب والثقة ويبين مدى الحرص والاهتمام وبالتالي يفتح منافذ التقبل ويطوع النفس.
المؤثر العقلاني الواحد الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المراهق يمثل النموذج الرائع الذي ينبغي أن تعلمه في حوارنا مع المراهق والذي تتمثل فيه عدة مواصفات:
أولاً تجنب الوعظ والإرشاد والأوامر والتعليمات: فلم يرد على الشاب ويقل له هذا حرام أو هذا منكر ولا يجوز فعله وكيف تقدم على أمر شنيع كهذا؟، لم يفعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنه المشرع.
ثانيًا إيجاد المدخل المناسب: وهو الشهامة العربية التي تحرص على العرض وترفض المساس بالأهل فقال له ( أترضاه لأمك أترضاه لكذا).
ثالثًا استخراج القناعة من الداخل وعدم فرضها من الخارج: الإقناع الحقيقي يكون بطريقة غير مباشرة والنجاح فيه يكون بتقبل وتبني المراهق له، وهنا لم يقل له رسول الله صلى الله عليه: لا تزن، بل جعل الشاب نفسه هو الذي يقول:" لا" عدة مرات، أترضاه لأمك؟: لا يا رسول الله أترضاه لأختك؟: لا يا رسول الله، أنرضاه لعمتك؟: لا يا رسول الله أترضاه لخالتك؟: لا يا رسول الله. هكذا هو النجاح في الحوار الذي يستخرج من داخل الشخص وبمحض إرادته وبتقبله وبالتالي يتبنى الرأي ويحرص عليه وينطلق به أمام الأوامر والمواعظ والتعليمات، فلا يتم تقبلها ولا تبنيها ولا الحرص عليها.
لذا لتنجحي في تأثيرك التربوي يجب أن تكون نسبة مؤثراتك العاطفية إلى المؤثرات العقلانية بنسبة 4: 1.
المحور الثالث: الترتيب الجيد لعلاقات الابن الحبيب في مرحلة المراهقة
في مرحلة المراهقة الابن في حالة انسحاب من البيت واتجاه نحو الخارج، لذا يجب أن نرتب جيدًا لعلاقاته بالخارج والتي تتمثل في الواقع في أمرين:
الأول: أنه يتمثل قدوة من الكبار غير الوالدين ويتأثر به ويستجيب له ويسر له بأسراره إن هو وثق به واقتنع بشخصيته وانبهر به واطمأن إليه، لذا وجب أن نسعى بطريقة غير مباشرة لأن نربط أبناءنا بأشخاص بهم المواصفات وبطريقة تلقائية أو غير مباشرة ويكون بالثناء على شخصيات موجودة في البيئة المحيطة أو زيارتهم أو الخروج معهم في رحلات، والمهم إيجاد المناخ المساعد على الارتباط بقدوة طيبة.
الثاني: يحب جماعة الرفاق: لذا نحاول أن نوجد في حياته أصدقاء صالحين بغير فرض عليه ولكن بالثناء على بعض الأقران أو إيجاد فرصة للالتقاء بهم عن طريق زيارة أو رحلة عائلية تجمع أولادنا بأولاد صالحين أو نشاط يقوم به المشرف التربوي.
المحور الرابع: دورك مع زوجك الحبيب
يجب أن تتحاوري مع زوجك الحبيب وبهدوء وود في كيفية التعامل مع الابن الغالي والتواصل معه طبقًا للمفاتيح المناسبة لمرحلة المراهقة، ويا حبذا أن تأخذا دورة أو عدة دورات في كيفية التعامل مع مرحلة المراهقة فهذا في غاية الأهمية، ويجب كذلك أن نربي بيوتنا على الصراحة ولا نخفي على الأب شيئًا، وكذلك الأب حينما يعلم يجب ألا يفقد صوابه أو يتعامل بطريقة تزيد الأمور خللاً ولا ننسى القاعدة التربوية التي تقول: (حل المشكلة بغير مشكلة) والأمر الآخر هو أهمية وجود الأب في حياة الابن بشكل قوي وعدم الانهماك طوال الوقت في السعي على الرزق، فالرعاية التربوية أهم من الرعاية الاقتصادية.
بارك الله فيك وفي الابن الغالي الحبيب وكبوة وتنتهي بإذن الله وكل بني آدم خطاء ومهارة المربي الناجح أن ينتشل الابن الحبيب مع الأخطاء ويرتقي به إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور وفقك الله لكل خير والعلاج يحتاج لمدى طويل فلا تتعجلي ونحن في انتظار أن تطمئنينا على ابننا الغالي بإذن الله تعالى حفظه الله من كل سوء.