إذا كان هناك من يخشى من جماعة الإخوان المسلمين أن تصبح دولة داخل الدولة، بالسيطرة على مفاصلها وجعلها جماعة فوق الحساب والمساءلة؛ حيث وصل الأمر إلى هستيريا مرضية غريبة وكوميدية أحيانًا، فيما يعرف بأخونة الدولة، فإني أرى– وبوضوح- أن إعلام ما بعد الثورة بما يملك من ترسانة فضائية ومذيعين لامعين صعد عدد منهم على أكتاف سلطة غاشمة، وآخرون وصلت بهم الخصومة السياسية مع الإخوان إلى حالة مرضية يصعب الشفاء منها، إني أرى أن هذا الإعلام ذاته قد تحول بالفعل إلى (دولة) داخل الدولة، فلقد كسرت الممارسات الإعلامية الخط الفاصل بين الحرية والفوضى، وفي الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه الإعلام قوة في اتجاه البناء والعمل والنهضة، أصبح قوة في اتجاه تصدير الفتن والشائعات والأكاذيب وبلبلة الناس وإشغالهم عن معركة البناء من أجل حشدهم لإسقاط الإخوان، وإفشال رئيس مدني منتخب علق أكثر من نصف الناخبين آمالهم عليه.

 

المشكلة الكبرى أن هذا الإعلام الصبياني المراهق يستطيع بالفعل أن يحرك الرأي العام في اتجاهه حتى وإن كان خاطئًا، يستطيع أن (يفعّل) القانون وقتما شاء وأن (يعطل) القانون وقتما شاء، يستطيع أن يسب ويقذف ويكذب ويشوه، ثم يرفض بعد ذلك كله أن يحاسب، ويضع من نفسه إلهًا مقدسًا يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء، فإذا حاسبة أحد صرخ وتململ ولطم الخدود على حرية التعبير.

 

كثيرًا ما نطق الإعلام سخافات وخزعبلات وتخاريف وأشياء ضد المنطق والعقل والأخلاق، لكنها نجحت أن ترفع شخصًا مثل أحمد شفيق، وتضيق الخناق على الإخوان إلى أقصى درجة ممكنة، نجح الكاذبون في أن يصدقهم الناس، بينما يعاني الصادقون في أن يصدقهم الناس، والنتيجة أن الإعلام أصبح آلة معطلة للعمل ولمشروع الإخوان، أصبح جسدًا ضخمًا يقف أمام بشر يريدون أن يتقدموا لينقذوا هذا الوطن من مأساته الأسطورية، ويخففوا عن هذا الشعب بعضًا من آلامه.

 

هذا الإعلام الذي يحقر من أي إنجاز طالما كان إنجازًا باسم الإخوان، أو باسم حكومة تبحث بعناء عن أسماء الأخوان فيها، أو باسم أشخاص يحبون الأخوان أو متفاهمين معهم، إعلام مريض أصيب بحالة نفسية واكتئاب مزمن لن يشفي منه إلا إذا صحا ووجد الوطن مدمرًا لكي يلصق التهمة بالإخوان، وسيموت كمداً لو نجح الرئيس والإخوان في مشروعهم حتى وإن أصبحت مصر جنة الله في أرضه.

 

ويبدو أنه لا بد من التفكير في حلول عملية لحل المشكلة، أو التخفيف من أثرها، أو مواجهتها بأسلوب آخر معروف ومجرب اسمه: الإعلام الموازي.

 

ما الإعلام الموازي:

 

الإعلام الموازى هو وسيلة إعلامية تعتمد على التواصل مع الجماهير في المدن والقرى والشوارع والمؤسسات، عن طريق أنشطة إعلامية بسيطة ولكنها مستمرة، تعتمد على الجهد والعنصر البشري، بغرض تغيير الأفكار الخاطئة أو بث أفكار جديدة عن طريق التعامل عن قرب؛ حيث تكون الصورة أكثر وضوحًا وأكثر صدقًا.

 

يعرف الإخوان الإعلام الموازي جيدًا، وطبقوه ببراعة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، واستطاعوا بفضل الله عن طريق التركيز الشديد والجهد الجبار أن ينجزوا إنجازًا أسطوريًّا، بأن يرفعوا مرشح الجماعة والحزب الدكتور محمد مرسي من مرشح غير معروف ورقم متأخر في معظم التوقعات واستطلاعات الرأي، وفي ظروف بالغة الصعوبة من ضيق الوقت وهجوم إعلامي شنيع على المرشح والجماعة، ليصبح أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، وأعتقد أنه بدون نظرية الإعلام الموازي، ما كنا سنصل إلى هذه النتيجة.

 

إذا ثبتت قدرة الإعلام الموازي على مواجهة الإعلام الفضائي والإلكتروني والورقي برغم كل بشاعته وشراسته، ولكن تكمن المشكلة في أننا لا نطبق هذه النظرية الرائعة إلا في أوقات الانتخابات فقط، نطهر بها البيئة الإعلامية من التلوث الإعلامي، ونرفع كميات هائلة من قمامة الأكاذيب والاتهامات، ثم نسكن بعدها، لتبدأ الأكاذيب في التراكم من جديد، وتبدأ الشائعات تتكاثر علينا من كل جانب، وتظل الاتهامات تتساقط علينا في الطرقات، وعندما نترك الأمر فترة طويلة، تزيد الهوة بيننا وبين الناس رغم كل الجهد المبذول، سواء على مستوى الحزب في الوحدات الحزبية أو على مستوى مؤسسة الرئاسة، ثم نفاجأ بمشكلة كبرى عند أقرب انتخابات، بعد أن تكون قد تشكلت في أذهان الناس صورة ذهنية جديدة، لم نكن على علم بها، لأننا لم نكن نتابعها يومًا بيوم أو على الأقل أسبوعًا بأسبوع.

 

فوائد أربعة

 

تحقق نظرية الإعلام الموازي الفوائد الأربعة الآتية:

 

1- أنه الأكثر تأثيرًا؛ حيث يقول الأكاديميون إن أكثر الوسائل الإعلامية تأثيرًا على الإطلاق هي الحديث المباشر وجهًا لوجه، خصوصًا إذا كان مع شخصيات معروفة وتتمتع بالمصداقية والنزاهة.

 

2- تكلفته المادية متوسطة.

 

3- يعتمد على عدد قليل من الخبرات والكفاءات الإعلامية، ثم يكمل الباقي وفرة العنصر البشري وهو أمر متحقق والحمد لله سواء في الجماعة أوفي الحزب.

 

4- يحقق التواصل المستمر مع الناس؛ ما يزيد الشعبية نتيجة للوجود المستمر في الشارع.

 

وسائل الإعلام الموازي

 

الإعلام الموازي له وسائل متعدد نذكر منها الآتي:

 

1- الصالون السياسي:

 

يهدف الصالون السياسي إلى إيجاد حالة من الحوار والمناقشات الحرة حول أهم ألأخبار والقضايا المطروحة على الساحة، وتقديم وجهات نظر الإخوان أو الحزب فيها، والرد على أي اتهامات، كما يهدف إلى شرح ثقافة الإخوان وفلسفتهم وفهمهم للإسلام، وتاريخهم النضالي عبر أكثر من ثمانين عامًا.

 

لكي ينجح الصالون السياسي ينبغي أن يحقق خدمة إعلامية حقيقية للحضور، بأن يتنوع ما بين علم السياسة الأكاديمي وتغطية الأخبار بموضوعية، وبين طرح قضايا مهمة على الساحة والنقاش حولها، وأن يتمتع بالمصداقية عن طريق دعوة معارضين للحضور وباقي التيارات وفتح قنوات حوار جادة وملتزمة بآداب الحوار في نفس الوقت، والأجمل أن يكون في كل صالون عمل مشترك يقوم به الجميع من أجل نفع الناس وخدمة الوطن.

 

2- سينما الشوارع:

 

كانت سينما الشوارع باستخدام (الداتا شو) من أكثر وسائل الإعلام الموازي التي استخدمها الإخوان والحزب في الحملة الرئاسية، فهي وسيلة قادرة على تجميع الناس ولفت نظرهم وجذبهم للحوار عن طريق النقاش معهم حول قضية معينة، وأقترح أن تتحدث المادة المعروضة عن تحركات الرئيس وجهوده وإنجازات الحكومة، وأنشطة الحزب في كل منطقة على حدة، وإرشاد الناس إلى مشاهدة قنوات وبرامج هادفة، وإبراز شخصيات إعلامية متزنة وموضوعية وقادرة على دفع الناس إلى الأمل والعمل معًا.

 

3- المجلات الورقية:

 

يصعب الاعتماد في النشاط الإعلامي على شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر فقط) فالنسبة الغالبة من الناس لا تتابع صفحاتنا، والطريقة الأكثر ضمانًا هي وصول أوراق مكتوبة في أيديهم عن طريق نشرات صغيرة كل فترة أو عن طريق مجلة دورية أو غير دورية تصدر كل شهر على الأكثر، ويمكن تغطية التمويل عن طريق الإعلانات المحلية.

 

4- الأعمال الفنية القصيرة:

 

يمكن التفكير في تنفيذ إسكتش صغير يتناول قضية معروضة على الساحة ويتم تقديمها في شكل كوميدي ترفيهي في الشوارع (فكرة الأراجوز كمثال) بحيث تصل الفكرة للناس في سلاسة، وتحدث ضجيجًا مطلوبًا حولها.

 

5- المساجد:

 

لا بد أن تحل إشكالية الحديث في المساجد، ما بين حديث صريح في السياسة يسبب انتقاد الناس وتفريقهم، وبين العودة إلى موضوعات رتيبة لا تمس المجتمع بحال، يمكن أن يقترح الخطباء مجموعة من القيم الغرض منها تفعيل دور الشعب في مشروع النهضة (ربما نتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل إن شاء الله)

 

6- المسيرات:

 

وسيلة تقليدية ولكن يمكن تنفيذها كل فترة مع الأحداث المؤثرة في الشارع.

 

7- البوسترات:

 

قال لي صديق إنه كان سعيدًا عندما وجد سيارة معلق عليها بوستر من الخلف مكتوب عليه: بحبك يا مرسي، لماذا لا تطبع بوسترات بهذا الشكل وبوسترات أخرى تدعو لرفع وعي الناس وتأصل لديهم فكرة المشاركة وتحمل المسئولية، لتحدث توازنًا مطلوبًا مع ثقافة الاحتجاج التي أصبحت طاغية بصورة غير منطقية.

 

العيب الوحيد في نظرية الإعلام الموازي أنه يتطلب جهدًا كبيرًا ومتواصلاً، والحمد لله أن هذا العيب لا يرقى لأن يصل إلى أناس عاهدوا الله على العمل من أجل نصرة دينه ورفعة هذا الوطن.

-------------

Ahmedsalah146@yahoo.com