في مقال سابق بعنوان "يا ساسة يا متسيسين قولوا خيرًا أو اصمتوا"، أشرنا إلى أن بعض النخبة في مصر أسهموا بعد الثورة في نشر البلطجة في البلاد، واحتموا بالمجلس العسكري، وكان من بدائلهم استنساخ أحداث 1954 والانقلاب على كل ما ينجزه الشعب من مراحل الديمقراطية؛ لأنها تأتي بالإسلاميين، وقلنا إنه برحيل رموز المجلس العسكري فقدت تلك النخبة الظهير، ولكن ظل البعض يراهن على نشر الفوضى والاحتماء بالغرب، لكي ترجع عجلة الزمن، نذكر هنا أمثلة محدودة.
كان مصطفى بكرى يُطِلُّ علينا بأفكار المجلس العسكري ويتبنى تلك الأفكار حتى خيل للبعض أنه المتحدث الرسمي باسم المجلس العسكري، ومع إقالة كبار المجلس العسكري وإلغاء الإعلان الدستوري المُكَمِّل، انتهت طََـلَّتُه باسم العسكري، وأراح واستراح.
لكن هذا لم يرح بكري، فقد كان بعض النخبة أيام مبارك له شخصيتان متناقضتان: فهو في حقيقته من سدنة مبارك، وفي نفس الوقت لعب دورًا خبيثا في تزيين وجه النظام؛ حيث سُمِحَ له بتقمص دور المعارض الشرس فكسب صيتًا زائفًا، وسقطت الأقنعة تمامًا عندما صُدِمَ برحيل المجلس العسكري، وخرج بكري في برنامج "آخر النهار" بقناة النهار يطالب صراحة بعودة المجلس العسكري للحكم والإعلان الدستوري المكمل مرة أخرى. أي منطق مقلوب؟
ومثال آخر: د. عمرو حمزاوي في مقاله بجريدة الوطن بتاريخ 26/ 9 / 12 بعنوان "دستور مصر ليس قضية داخلية فقط" يدعو الأحزاب والهيئات والبرلمانات بأمريكا وأوروبا، للضغط على الرئيس وحزب الحرية والعدالة، بل يدعو للربط بين الدعم الاقتصادي ومطالب القوى المدنية في الدستور، هل اختلفت تلك النداءات كثيرًا عن سلوك مبارك؟ هل يجوز الاستقواء بالأجنبي لتحقيق مصالح سياسية، لقد عبرت جريدة الأقباط عن ذلك في عددها الصادر بتاريخ 27/ 9/12؛ حيث أشارت إلى أن "رأي حمزاوي متوقع وأنه نُشِر في جريدة الوطن المشبوهة التي يرأسها مجدي الجلاد" على حد تعبير الجريدة.
ومثال ثالث: د. محمد أبو حامد، مشهود له بالتقلب الدرامي المفاجئ في مواقفه، قامت الثورة فرأيناه يشجب الخونة، ثم أوردت جريدة "المصري اليوم" بتاريخ 2/4/ 12 أنه زار لبنان وقابل سمير جعجع، ووصفه بأنه رمز للثورة والصمود في العالم العربي كله.
والقارئ الكريم يعلم أن جعجع خائن لوطنه ومجرم قتل كل من النائب طوني فرنجية نجل الرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية، وقتل رئيس الوزراء السابق رشيد كرامي، ورئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، وله يد في مذبحة صابرا وشاتيلا، وتفجير كنيسة "سيدة النجاة 1994."
وفي حوار أجرته رولا خرسا مع أبو حامد في برنامج "البلد اليوم" بقناة "صدى البلد" بتاريخ 1/10/12 ادَّعى أن الرئيس ينوي إرسال قوات مصرية للخارج؛ وذلك بناءً على كلام في قناة "العربية نت" منسوبًا إلى د. سيف عبد الفتاح مستشار الرئيس، وعندما ذكرته رولا خرسا بأن هذا مجرد اجتهاد شخصي من د. سيف صرح ، كما نفت مؤسسة الرئاسة هذا الكلام، ورغم هذا النفي من الرئاسة ومستشار الرئيس، أصر أبو حامد على تصديق تلك الشائعة، يا سادة: نفى د. سيف هذا الكلام في اتصال مع قناة "التحرير" في 30/ 9 / 12، كما نفى وزير الخارجية، ووزير الدفاع، كل ذلك ليس كافيًا لتخلي أبو حامد عن هذه الشائعة، وهذا يتنافى مع القاعدة التي تقول: "فَتَبَيَّنُوا". وصرح أبو حامد بأنه سيسافر إلى أمريكا نهاية شهر أكتوبر 12 وأنه سيكتب خطابات للرئيس الأمريكي ووزيرة الخارجية الأمريكية والكونجرس يبين لهم فيها أن نجاح مرسي ترتبت عليه مخاطر وخلل في الأمن بسيناء، ماذا تريد يا أبو حامد؟ هل تريد التدخل الأمريكي من أوسع أبوابه، أفراد بالنخبة يستجيرون بالمتربصين من شياطين الغرب بعد أن كادت مصر تفلت من بين أنيابهم الخبيثة التي خنقتها قرونًا، ولتصبح تلك النخبة وكلاء الشياطين نرجو أن يأخذوا العبرة من مصير العراق ونخبة العراق الذين دخلوا بغداد على دَبَّابة المُحْتَل، هل سقطت ورقة التوت؟ أين أنت يا حمرة الخجل؟ والنصيحة لهم أن العمل السياسي الحقيقي لا يكون من منابر إعلامية ترسل موجات لا تناسب ثقافة وقيم هذا الشعب الخير لكم أن تعملوا في الشارع ببرامج سياسية تنبت من طين وتاريخ مصر، حينها فقط سيحملكم الشعب على الأعناق.
----------
• الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج.