الحجر الأسود هو حجر من أحجار الجنة، نزل إلى الأرض؛ ليستعمله سيدنا إبراهيم وولده سيدنا إسماعيل في بناء الكعبة، وقد وضع في جدار الكعبة بعد ذلك، وكان أبيض من زينة الجنة، ولكن سودته خطايا الناس.

 

عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ, فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ, لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ, وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.

 

فيه مسائل:

1- لماذا سُمِّي الحجر بالحجر الأسود؟

لأنه أسود اللون، وفي الحديث: "نَزَل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن، فَسَوّدته خطايا بني آدم" (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني).

 

2- مشروعية تقبيل الحجر الأسود ومسّه لمن لا يستطع تقبيله ولو بواسطة أو الإشارة إليه لِمن بَعُد عنه.. ففي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، والمقصود بالرّكن هنا: الحجر الأسود، قال النووي: "وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الطَّوَاف رَاكِبًا، وَاسْتِحْبَاب اِسْتِلام الْحَجَر، وَأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنْ اِسْتِلامه بِيَدِهِ اِسْتَلَمَهُ بِعُودٍ" اهـ.

 

3- استلام الحجر وتقبيله من السُّنَّة: قال سويد بن غفلة: "رأيت عمر قَبَّل الْحَجَر والْتَزَمه، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيًّا" (رواه البخاري).

 

4- لا يُشرع للمرأة استلام الحجر وتقبيله إلا إذا لم يكن فيه مُزاحمة للرجال.. قال ابن عبد البر: الاستلام للرجال دون النساء، عن عائشة وعطاء وغيرهما وعليه جماعة الفقهاء اهـ.

 

5- إثبات النفع والضرّ لله عزَّ وَجَلّ، وإذا كان هناك نفع أو ضرر فهو بإذن الله.. َرَوَي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَبَّلَ الْحَجَرِ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَمَا إِنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، أَوْدَعَهُ فِي رِقٍّ وَفِي هَذَا الْحَجَرِ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَحْيَانِي اللَّهُ لِمُعْضِلَةٍ لَا يَكُونُ لَهَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ حَيًّا".

 

6- الاستسلام والانقياد، سواء عُرِفت الحكمة أم لم تُعرَف، ودلَّ على هذا قول عمر رضي الله عنه: وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.

 

7- لا يستلزِم ذلك التهوين من السنة، ولا من شأن شعائر الله، ولا يجوز الاستخفاف بشعائر الله تحت تأثير بعض أفعال وتصرّفات الْجَهَلَة، كقول بعض الناس: هذه حَصَاة! هذا حجر! هذا جماد، على سبيل التهوين من شأنه، وإنما يُقال كما قال عمر رضي الله عنه، كما ثبتت بنصوص الترغيب في تقبيله وبيان أنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه بحق وأنه تحط به الذنوب؛ ففي الحديث: "إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًّا" (رواه أحمد وصححه الألباني)، وفي الحديث: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينين يبصر بهما ولسانًا ينطق به يشهد على من استلمه بحق" (رواه الترمذي وصححه الألباني).

 

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيُبْعَثَنَّ هَذَا الرُّكْنُ وَلَهُ لِسَانٌ، وَعَيْنَانِ تَنْظُرَانِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ"، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ"، وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ مَسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ".

 

ومن السنة أَنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا لِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بَعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ وَبِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَمَا ادُّعِيَ دُونَ اللَّهِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ".

 

وأما إذاأَرَادَتِ الْمَرْأَةُ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ فقَدْ رَوَى عَطَاءٌ أَنَّ امْرَأَةً طَافَتْ مَعَ عَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَتِ الرُّكْنَ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَسْتَلِمِينَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا لِلنِّسَاءِ وَاسْتِلَامِ الرُّكْنِ امْضي عَنْكِ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ عَلَى مَوْلَاةٍ لَهَا، فَإِنْ أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ خُلُوِّ الطَّوَافِ.

 

---------

* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية بأسوان.