بعد أن أسفرت الثورة عن رحيل مبارك، وحلول المجلس العسكري في قمة السلطة، فرح معظم النخبة التي ليس لها قاعدة في الشارع المصري بهذا الإحلال. وبدءوا مسلسلاً من الأعمال الرخيصة لتبقى البلاد على فوهة بركان ثائر من البلطجة المعروفة والبلطجة السياسية، حتى لا تفيق البلاد وتحاسب كل المفسدين وتقصيهم.
هذه الخطة وضعت على أساس خلق الأزمات في كل شاردة وواردة وعدم استجابة المسئولين إلا بعد أن تقوم أعمال بلطجة احتجاجًا، وتكرار هذا الأسلوب بشدة لكي يقتنع الداني والقاصي بتبني البلطجة منهجًا للحصول على أبسط حقوقهم، ومن ثم تظل نيران البلطجة مستعرة في كل وزارة ومصنع ومستودع ومؤسسة حكومية وغير حكومية، ولكي يتخذها المجلس العسكري تَكِأة ويبقى في الحكم إلى ما شاء الله، وقد ساهم رجال الدولة العميقة في تكريس البلطجة وإقناع الشعب بها وكأنها قضاء وقدر، لم تضيع تلك الفيروسات البشرية وقتًا في رسم وتنفيذ تلك الخطة، خوفًا من توقف جني المكاسب التي دَأَبُوا عليها أيام المخلوع وخوفًا من ضياع ما خزنوا لأحفاد الأحفاد جنوها، فتنة تدع الحليم حيران.
كان من مستهدفات تلك الخطة أن يظل العسكري مبقيًا على كل الليبراليين والعلمانيين واليساريين وغيرهم ممن وثق بهم مبارك وتدرجوا في أحضانه في مؤسسات الدولة عندما أقصى الشرفاء والوطنيين، كانت هذه الخطة تستهدف تكرار توابع ثورة 23 يوليو بانقلاب جمال عبد الناصر على محمد نجيب رئيس الجمهورية وتحديد إقامته وحذف فترة رئاسته من ذاكرة الشعب، ومن ثم فَضَّلوا الهدم على البناء، فهل يغلبون مصلحة الوطن؟ نأمل ذلك لقد أدى كيدهم إلى أن يهدد العسكري صراحة بتكرار تجربة عبد الناصر مع الرئيس محمد نجيب.
والله كنت- ذات يوم- متوجهًا بسيارتي إلى الجامعة من خلال الكوبري القديم بسوهاج في العام الدراسي 2011/2012م، ورأيت السيارات مكدسة والمرور متوقف بفعل قطع المرور أمام الناس؛ وذلك احتجاجًا على نقص البوتاجاز، وحرصًا على أن أؤدي محاضرتي توجهت للكوبري الجديد، وفوجئت بعد جزء لا بأس به من الكوبري الجديد أن نفرًا قليلاً من قاطعي الكوبري القديم حضروا وأوقفوا سيارات بالعرض في حارات مرور السيارات في الاتجاهين، وأغلقوا الطريق، وكان خلفي بمسافة قصيرة سيارة إسعاف تحمل حالة طارئة، وفي لحظات أصبح جمهور كثير من الناس بمن فيهم حالة الإسعاف محاصرين لا يستطيعون التقدم أو التراجع، وحزنت جدًا على حالة الطوارئ بسيارة الإسعاف، ونزلت مع غيري من جمهور المحاصرين من السيارات ننتظر الفرج، وأردت أن أجس نبض بعضهم للاشتراك معًا في مفاوضة قاطعي الطريق وإقناعهم بفتح المرور لكي تمر سيارة الإسعاف وغيرها، وكانت المفاجأة أن جميع من حادثتهم يؤيدون بقوة منطق قاطعي الطريق أمام سيارة الإسعاف، فأعدت السؤال مرة وأخرى عليهم: هل لو كان المريض بسيارة الإسعاف أقرب الأقربين لك، أكنت تقر قطع الطريق؟. وكانت الإجابة بنعم.
ومن ثم أحببت أن أطمئن على طلاب الجامعة، فعرضت- في الأسبوع التالي- الموقف والسؤال في محاضراتي على طلابي في الدراسات العليا بالدبلومة المهنية، وطلابي بالفرقة الثالثة شعبة أساسي رياضيات، وكانت الصدمة شديدة والله عندما وجدتهم يقِرُُّون فِعْلَة قاطعي الطريق، وقد علمت من بعض الأطباء بالمستشفى الجامعي أن تلك الحالة قد فارقت الحياة، بأيِ ذنب قُتِلَت تلك النفس؟ هناك من يخلق الأزمات، وسيادة المحافظ والتموين ومباحث التموين لا يأبهون لحرمة النفس، ولا يتحركون إلا بعد أن تزهق أنفس بريئة.
ذلك التغير في المشاعر الجياشة للشعب المصري حدث يا سادة بفعل خطة شيطانية ساهم فيها الإعلام وأصحاب النفوذ والحكومة والعسكري وكل من كان له حظوة في النظام السابق، وخصوصًا من سرق ونهب وجرف بدون حق من مقدرات الشعب أيام (باباهم) مبارك، جزاه الله ما فعل، آمين.
فقد توحشت تلك الميكروبات في ظل حكم العسكري خوفًا أن ينقشع الغبار الكثيف عن السارق والمسروق الثمين ويراهم الشعب متلبسين بما ارتكبوه في ظل المخلوع مبارك، لقد علا صوت تلك النخبة وملئوا الدنيا ضجيجًا واحتموا بالمجلس العسكري من إرادة هذا الشعب، ففزعوا العسكري من الإسلاميين وحاولوا المرة بعد المرة أن ينقلبوا على كل ما أنجزه الشعب من مراحل العملية الانتخابية؛ لأنها أتت بمن يكرهون.
احتمى كل هؤلاء جميعًا بالعسكري، فلما كان اليوم المقدر رحل العسكري وبدأت تنقشع تدرجيًّا أدخنة النار التي يوقدونها، فخرست ألسنة عما استحلت من قبل في عهد المشير، ولكن بعضهم مازالوا يثيرون الغبار ويملئون الأرض سؤالاً وجوابًا خلطًا للأوراق، محاولين عبثًا إرجاع عجلة التاريخ، فهل يثوبوا إلى رشدهم؟ أم يفضلون خيار شمشون؟ أم أنهم مازالوا يحسبون أن عَمُّو سام أو عَمُّو حام لن يترك هذا البلد يهنأ بالديمقراطية وأنه سيأتيهم لينقذهم من مزبلة التاريخ ويرجع البلاد لدكتاتور آخر؟.
ونناقش في مقالة تالية بعنوان "بعض الساسة حَسِبوها لُجًّةً فَعَمُوا وصَمُوا" أمثلة لبعض من أدلوا بدلوهم في تلك الفتنة.
-----------------------
أستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج