ما زلت أذكر أنني أسرعت بالصعود مع أبناء عمي إلى سطح منزلنا في مهجر أسرتي بمحافظة الشرقية لمشاهدة الطائرات الحربية التي تمخر في السماء، وعرفت منهم أن حرب أكتوبر قد بدأت.

 

وبعدها بسنوات قليلة كنت أسعد باصطحاب والدي لي لزيارة منزل العائلة المهدم في القنطرة غرب؛ حيث كنا نمر على معسكرات الجيش فتأخذني النشوة إعجابًا بمنظر الدبابات والمدافع والمعدات العسكرية والجنود على جانبي الطريق.

 

وفي قرية الريَّاح كانت أسرة عمي أثناء إعادة ترميم منزلها تسكن في أحد الملاجئ التي أقامها الجيش تحت الأرض بجواره، وكنت أرى في أرضنا الزراعية آثار القنابل الكبيرة التي حفرت حفرًا واسعةً وعميقةً أخرجت الماء من باطن الأرض.

 

وكنا نذهب للاستحمام على شاطئ قناة السويس بجوار المعابر ورءوس الكباري التي يحرسها جنود طيبون كانوا يهدوننا حلاوة طحينية ومربى وجبنًا وخبزًا و"بسكويت".

 

وعندما وصلتنا الكهرباء واشترينا جهاز تلفزيون أبيض وأسود كنت أتابع بشغف العرض العسكري الذي تجريه القوات المسلحة الباسلة وأشعر بالفخر للمنظر المهيب لجنودنا الأبطال ومعداتهم العسكرية.

 

وفي المرحلة الثانوية سارعت بالتقدم للالتحاق بالمدرسة الجوية حين شاهدت إعلانًا عن فتح باب القبول لدفعة جديدة، وأصابني حزن عميق حين لم أتمكن من التمييز بين الألوان المتداخلة بشدة في اختبار فحص النظر.

 

كل هذه الذكريات الجميلة التي انطبعت في وجداني منذ الصغر جعلتني أشعر بالسعادة الغامرة، حين أعلن عن اختياري للخدمة الإلزامية بالقوات المسلحة كضابط احتياط عقب تخرجي من دار العلوم.

 

وفي كلية الضباط الاحتياط كان زملائي يطلقون عليَّ لقب "خالد المنضبط"؛ لأنني كنت حريصًا على الانتباه في المحاضرات الشائقة وسؤال المعلمين ومذاكرة العلوم العسكرية والانتظام في التدريبات.

 

واكتملت سعادتي حين تشرفت بقضاء مدة خدمتي في سيناء الحبيبة، وكانت أيام إقامتي هناك في ملجأ تحت الأرض أحبّ إليّ من الأيام التي أقمت فيها بحجرة فوقها.

 

وعند هذا الحد- والتزامًا بشرف الجندية- يجب أن يتوقف قلمي عن الاسترسال في الحكاية، ولا أملك إلا أن أقول: إنني قضيت في القوات المسلحة مصنع الرجال أجمل 30 شهرًا في حياتي، تعرفت فيها على جنود وضباط يفتخر بهم الوطن، وهم على أتم استعداد لتقديم دمائهم وأرواحهم فداءً له.

 

ولا يتبقى إلا أن أرسل تحياتي لكل من خدم يومًا بشرف في جيشنا الحبيب، وبخاصةٍ كل أبطالنا الذين شاركوا في صناعة ملحمة أكتوبر التي رفعت رءوس المصريين والعرب عالية ورفرفت أعلامهم خفاقة تطاول عنان السماء.