ستظل حرب أكتوبر 1973 علامة مضيئة في تاريخ مصر الحديث؛ حيث أعادت العزة والكرامة والفخار لمصر وجيشها وشعبها بعد سنوات من الهوان الذي تجرعته مصر على يد أعدائها وأبنائها على حد سواء.

 

فنصر أكتوبر جاء في لحظة حاسمة ظن العالم كله أن الإرادة المصرية لتحرير سيناء قد انكسرت ولن تقوم لها قائمة في أي مواجهة عسكرية مع الجيش الذي لا يقهر كما كانوا يدعون، وتناسى هؤلاء أن الشعوب تمرض ولا تموت وتتخلف ولا تضيع وتتناسى ولا تنسى وبخاصة حقوقها.

 

وفي اللحظة المقدرة عندما توافرت لمصر الإرادة السياسية الحقيقية والإدارة الوطنية الواعية واتخذت كل الوسائل والأسباب المعينة على النصر، تنزلت رحمات الله سبحانه وأنعم علينا بنصر عزيز رفع به رؤسنا بين الأمم (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
فما كانت تعانيه مصر قبل الحرب وللأسف بعدها هو غياب الإرادة الحقيقية والإدارة الوطنية التي تغلب الصالح العام على الخاص وتسعى بصورة جادة وحقيقية لنصرة مصر وشعبها، وعندما تحقق ذلك في حرب أكتوبر المجيدة أتى نصر الله الذي انتظره الشعب طويلاً.

 

لقد اتخذت القيادة المصرية في ذلك الوقت كل الأسباب المعينة على النصر وأعادت تدريب الجيش وتسليحه ورفع روحه المعنوية والتحمت القيادة السياسية بالقيادة العسكرية ووفرت لها جميع احتياجاتها واستثارت في جميع القادة والجنود روح التحدي والعزة وحب الأوطان.

 

فحين اجتمعت الإرادة السياسية مع حسن الاستعدادات العسكرية مع الوعي الشعبي ، وتمثل الجميع قول الله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) تحقق النصر المؤزر بفضل الله.

 

ولا يمكن أن ننسى عظمة خطة الخداع الإستراتيجي التي أبهرت الجميع والتي كانت سببًا مهمًا من أسباب النصر الذي تحقق بتكاتف وتعاضد الجميع وليس عنصر واحد أو سلاح محدد، كما حاول البعض لعشرات السنين تزييف الحقائق وطمس البراهين وادعاء أن النصر تحقق بفضل الضربة الجوية وفقط، وتناسى هؤلاء عامدين متعمدين جهد وعرق ودماء وعلم وعمل بقية القادة والأسلحة والقوات.

 

لقد كان انتصار أكتوبر ملحمة عظيمة شارك فيها جميع أفراد و قادة وأفرع وأسلحة القوات المسلحة بدور عظيم وبطولي وكذلك القيادة السياسية في ذلك الوقت لها فضل كبير في اتخاذ القرار بجرأة وشجاعة عجز عنها غيرها، ولا يمكن أن ننسى دور الشعب العظيم الذي تحمل تبعات الحرب وآلامها وضحى بأبنائه وبمتطلباته وكان خير حام للجبهة الداخلية ومضحيًّا بأساسيات الحياة لتحقيق هذا الانتصار الكبير.

 

كما جسدت حرب أكتوبر قمة التعاون العربي والإسلامي وكانت الوحدة في قمة عظمتها، ورأينا كيف أن الجميع اعتبر أن الحرب هي حربه وبذل وضحى في سبيلها، كلٌ حسب طاقته ومقدرته وإمكانياته.

 

ولا يمكن أن ننسى الموقف الشجاع والبطولي للملك فيصل يرحمه الله حينما حاولت الإدارة الأمريكية ثنيه عن قراره الجريء والشجاع بوقف تصدير البترول خلال حرب أكتوبر وقال قولته الشهيرة "عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود لهما".

 

يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كسينجر في مذكراته إنه عندما التقى الملك فيصل في جدّه, عام 1973 م, في محاولة لإثنائه عن وقف ضخ البترول, رآه متجهمًا, فأراد أن يستفتح الحديث معه بمداعبة فقال "إن طائرتي تقف مدة في المطار بسبب نفاد الوقود, فهل تأمرون جلالتكم بتموينها, وأنا مستعد للدفع بالأسعار الحرة؟!

 

يقول كيسنجر: "فلم يبتسم الملك, بل رفع رأسه نحوي, وقال: وأنا رجل طاعن في السن, وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنية؟!

 

كلمات خالدة وقرارات خالدة لقادة عظام خالدين لا يمكن أن ننتقص من قدر قراراتهم مهما اختلفنا معهم سياسيًّا، ولكن ذاكرة التاريخ لا ولن تنسى أبدًا القادة العظام الذين قادوا الأمة للانتصار أمثال الرئيس الراحل محمد أنور السادات والملك فيصل. كما لن ينسى أبدًا من ادعى البطولة الزائفة والزعامة المضللة، وتاجر بدماء الشهداء وتاريخ بلده وانتصاراته ونسبها لنفسه وتناسى أن ذاكرة الشعوب أقوى من أي آلة إعلامية موجهة منه أو من غيره.

 

لقد كان في القرار التاريخي والرائع للسيد الرئيس محمد مرسي بمنح اسم الرئيس الراحل محمد أنور السادات قلادة النيل ووسام نجمة الشرف، واسم الفريق سعد الشاذلي قلادة النيل، تقديرًا لدورهما التاريخي في حرب أكتوبر 1973، أكبر دليل على أن ذاكرة التاريخ لا تنسى وتم تكريمهما بعد عشرات السنين من التضليل والتزيف ومحاولة قلب الحقائق. فجاء التكريم لإعادة الأمور لنصابها وتكريم القادة الحقيقيين للانتصار العظيم.

 

لقد عبر انتصار أكتوبر عن المعدن الحقيقي للشعوب العربية والإسلامية واصطفافها معًا لمواجهة أي تحد يواجهها، وهذا ما نحتاجه وبشدة هذه الأيام، فنحن في أمس الحاجة لاستعادة روح أكتوبر وروح 25 يناير لإعادة بناء أوطاننا بعد ثورات الربيع العربي، فنحن نريد استراحة محارب لإعادة بناء الأمجاد التي ضيعها الأقزام وبددها الطغاة والمستبدون.

 

فنحن في حاجة للتعاون بين جميع القوى السياسية والشعبية والقيادة السياسية لتحقيق انتصارات تشبه انتصارات أكتوبر و25 يناير، فلنغلب العام على الخاص ونقدم المصالح العليا للوطن على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.

 

بعد أن أنعم الله علينا بإعلاء قيمة وقدر الإرادة الشعبية وانتصارها على إرادة الطغاة والمستبدين يتبقى أن نتحرك بإدارة واعية ومستشرفة للمستقبل وآفاقه وطموحاته لتحقيق ما تصبوا إليه الشعوب.

 

فما أحوجنا لاستعادة روح أكتوبر من جديد لاستلهام دروس وعبر الوحدة والتكاتف وتغليب حب الوطن وتوفر الإرادة السياسية والإدارة المتخصصة والمؤتمنة والتقارب والتعاون مع العالمين العربي والإسلامي لتستعيد مصر مكانتها المستحقة وتسترد عافيتها من جديد لتقود الأمة نحو مجد تليد اشتقنا له كثيرًا.

 

إن تحقيق ذلك ليس بأمنية مستحيلة أو هدف نادر صعب التحقق ولكنه واقع حدث من قبل حينما توافرت موجبات تحققه، وهي في أيدينا وقريبة منا وتحتاج فقط لصدق النوايا وإخلاص الجهود وتضافر الطاقات لتحقيقها.