إن لكل إنسان مكانًا خاصًّا يستشعر فيه الأمن والراحة؛ تلتقي فيه آماله وآلامه؛ فيختلطا ليصوغًا أملاً جديدًا لحياة جديدة؛ وإن ابن آدم منذ أن هبط على الأرض وهو يشتاق إلى السماء؛ فتارةً تزهر بنجومها ليلاً لتهديه، وتارةً ترسل له مطرًا يسد ظمأه ويرويه، وتارةً أخرى ترسل له كتابًا ينظم حياته ويحييه، وتارة أخرى ترسله إلى نقطة أرضية- على حسب إيمانه- يستشعر فيها السماء بجملتها.

 

إن البيت الحرام الذي بناه الخليل إبراهيم إنما بناه فوق الأرض وتحت البيت الذي في السماء؛ فاتصل الأدنى بالأعلى وتلك من نعم الله؛ فقد صنع لنا سلمًا روحانيًّا نرتقي من خلاله إلى ما نشتاق إليه؛ إنك عند الكعبة تستشعر وكأنك في السماء.

 

عند الكعبة ترى الجنة بادية بين أيدي الطائفين وملابس المُحرمين؛ عند الكعبة ترى أنهارًا من دموع وفوقها فى السماء أنهار من عسل مصفى، عند الكعبة تُرفع الأيادي لتكون سلمًا للتوبة، فتنزل الرحمة بين راحتي الملبي وأنامله.

 

عند الكعبة تُقبِّل الحجر الأسعد، ولكن فمك يرتشف من سعادة الجنة، عند الكعبة بنفسك تطوف، ولكن فوقك في السماء يستغفر لك آلاف وألوف، عند الكعبة تستشعر أنك تهرول إلى الجنة لا بين الصفا والمروة، عند الكعبة جسدك على الأرض، ولكن روحك في السماء.

 

عند الكعبة ترى الأحمر والأسود وكل ألوان البشر؛ لأن الجنة من فوقك هكذا؛ الكل برداء واحد، لا ميزة بين ملك ومملوك، ولا فرق بين عرب وعجم، فلتخلع رداء الكبر إنك عند الكبير.

 

عند الكعبة تستشعر يوم الحشر؛ أجساد مجردة من البهرجة والزينة؛ غير أنك هنا تدعو بلا إذن فيُستجاب لك، والأصوات متزاحمة، وفى الحشر لا تسمع إلا همسا؛ فقد رُفعت الأقلام، وجفت الصحف.

 

إن من آيات الحج أن يجمع كل أبناء آدم؛ كيوم عيد رجع فيه المسافر لأهل بيته، وعلى اختلاف الأعمار والأشكال الكل يؤمن بهذا اليوم والكل جاء ليحتفل بهذا اليوم والكل يلبس لباسا واحدا؛ وكأنه ترك كل آرائه وأفكاره عالقة في بلده، وجاء ليطبق رأيا واحدا هو رأى الله. إنك ترى كل الناس يمينا وشمالا يتجهون نحو شيء واحد؛ لأن معبودهم واحد؛ ولا مجال هنا لخلاف ولا محاجة أو جدال.

 

لقد أُجيبت دعوة إبراهيم؛ وجاء الناس من كل فج عميق، تركوا الدنيا؛ ليسجلوا مشاركتهم في مسابقة الآخرة؛ تركوا كل بقاع الأرض؛ ليتصلوا من هنا بالسماء ، هنا مركز الاتصالات جميعها ، ومن هنا توزع الشبكة الرحمانية، وتصدر الأوامر الكونية، هنا الكعبة، هنا بيت الله؛ فأروني بيوتكم.

 

ومادام هنا بيت الله فكل شيء فيه لله، وكل من جاء؛ جاء لله، فلا شيء لغير الله، لذلك مقت الله حج الجاهلية لأنه كان مكاء وتصدية وذبح لغير الله، ومقت حج الجاهلية لأنهم لم يتحروا حلالا ولا حراما، ولذا وجب علينا أن نتحرى أموال حجنا؛ وإلا لم نحج؛ وإنما حجت الطائرات والسفن، أوكما قال شاعرهم :

 

إذا حججت بمال أصله دنس*** فما حججت ولكن حجت العيرُ

 

إن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب، وإن الكعبة طيبة لا يدخلها طيب، ولذا لا يقبل الله الحج بالمال الحرام ، كما حرم الرفث والفسوق والجدال في الحج، فلتنزع النفوس أردية المعاصي وأفكار الشياطين، اليوم يوم السماء حين تتنزل على الأرض أو يوم الأرض حين ترتقي للسماء ولا رقى إلا بنقاء وطهارة.

 

لقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حرمة الدم المسلم وحرمة ماله وعرضه، ونادى : "أيها الناس"، ولم ينادِ بغيرها لأنه مرسل للناس كافةً، وأن البيت للناس كافةً، وأن الجنة للناس كافةً، وأن الله خالق الناس كافة، فيجب على الناس أن يكونوا كما أراد ربهم لهم، لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يسرق بعضهم مال بعض، ولا ينتهك بعضهم عرض بعض؛ فكل ذلك محرم، وما من شيء محرم إلا وفي تحريمه خير للبشر وربط لشهواتهم التي يدير دفتها الشيطان.

 

إن الشيطان يأس أن يُعبد في الكعبة وما حولها؛ لأنها الأقرب للسماء التى طردته، فلا تجعلوه يسكن فى بلاد الإسلام قاطبة، ولا تجعلوا له مكانا فى قلوبكم ولا عقولكم، لأنه يأمر بالفرقة لا التجمع؛ فالفرقة سلاح الشيطان الذي إذا رما به قوم ولم يحذروا تناثروا كما تتناثر الأشلاء من قنبلة مدوية؛ ولذا إن أشد يوم عليه هو يوم عرفه؛ يوم يرى الملايين متوحدة؛ فيعلم أنه فشل في مكره، وأن قنابل فرقته بطل مفعولها على جبل عرفات.

 

إن دول الإسلام بحاجة إلى عرفات فى كل أمورها، إن دول الإسلام تحتاج كعبة في كل حياتها، حتى يجتمع القاصي والداني، إن الفرقة تفعل في الأمة الهشة ما تفعله النار في الهشيم، أيها الناس إن فى الحج دروس وعبر فلنأخذ منه درس الوحدة والتجمع، فليكن النداء واحدًا، والقبلة واحدة، والهدف واحد؛ لأننا عباد إله واحد. 

--------

* مدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج