أزمة العلمانيين في بلادنا ليست فقط في أنهم لا يحملون منهجًا إصلاحيًّا يتفقون عليه فيما بينهم ثم يجمعون الناس عليه، ولكن مشكلتهم الكبيرة أنهم لا يملكون الطليعة المؤمنة.

 

فالطليعة المؤمنة لا تقتصر فقط على حواريي الأنبياء في الرسالات السماوية، ولا على اتباع المذاهب الروحية كالبوذية، ولكنها موجودة في كل فكرة إصلاحية فاعلة فرضت نفسها على خارطة المسيرة البشرية.

 

فالعلمانية التي فصلت الكنيسة عن إدارة الدولة في أوربا كان لها طليعة مؤمنة بمبادئ العلمانية من المفكرين الذين نذروا حياتهم خدمة لفكرتهم، ثم تلاهم قادة ميدانيون قادوا الجماهير نحو التحرر، وقدموا آلاف القتلى على المشانق، وتحت شفرات المقاصل. وقل نفس الشيء عن الشيوعية.

 

ولكن مشكلة العلمانيين في بلادنا أنهم تجار استوردوا مذهبًا تم غرسه بالفكر والدم والعرق في أرض ممهدة لاستقباله، ليبيعوه معلبًا جاهزًا مستوردًا من بيئة ثقافية تختلف تمام الاختلاف عن بيئتنا الثقافية دينًا وتاريخًا وعادات.

 

المتصدرون للتيار العلماني لا يحملون مقومات الطليعة من بذل وتضحية وعطاء سواء على المستوى الفكري أو المادي.

 

متهافتون على الظهور الإعلامي، مغرمون بتصدر المشهد وحب الزعامة، في كل يوم تسمع عن حزب جديد له رئيس ونائب و......... ثم تسمع عن تحالف بين مجموعة من هذه الأحزاب، ثم ما يلبث أن ينفض التحالف للاختلاف على رئاسته.

 

وهذا هو الفلك الذي يدور فيه العلمانيون، صياح، ضجيج، صخب.

 

أين البرامج والخطط ؟ أين القيادة والزعامة؟

 

لا تسأل عن هذا!! فالجمع مشغول بالتجارة والربح، والسلعة هي الشعارات، والعمل هو الهتافات، ولا تسأل عن شيء غير هذا.

 

والله نقولها نحن أبناء التيار الإسلامي مخلصين، نحن في حاجة إلى تنوع الطيف السياسي والفكري في مصر، ليس من مصلحتنا ولا مصلحة بلادنا أن يسيطر عليها طيف سياسي واحد أو فكر واحد، لا بد من التنوع الجاد الذي يخلق المنافسة التي يستفيد منها جماهير الوطن.

 

ونتمنى من المتصدرين للتيار العلماني، أن يستمعوا إلى وصف الإمام البنا -عليه رحمة الله- لمواصفات الطليعة التي تقود الأمم؛ حيث يقول :"إن تكوين الأمم وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو إليه- على الأقل- إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:

إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ، وإيمان به، وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره."