من أبرز دلائل غربة "العلمانية" عن الكيان الإسلامي؛ أنها لا تشيد بنيانها على ركائز طبيعية من حركة المجتمع المسلم والعربي, كما أن حركتها ليست تفاعلاً طبيعيًّا ولا استجابةً منطقيةً لأشواق البشر عندنا, لكنها تكافح لتحرفه وتجرفه عن ركائز بنيانه الأصيل, حتى تستطيع (تركيب) المحتوى العلماني قسرًا على الجسد الإسلامي.

 

ولا شك أن العلمانية العربية تملك (بعض) فرص الوجود على أرضنا بسبب (بعض) التحولات (السلبية) في حركة الحياة في مجتمعاتنا.

 

ونرصد هنا ركيزتين من ركائز الهوية ما زال التشجيع على هدمهما على أشده, كما نرى أنهما لصيقتان بشبابنا, فإذا تبنوا هاتين القضيتين في إعلامهم الافتراضي فسيكون التأثير الإيجابي من نصيبهما, لا سيما أن الافتراضي هذا يقترب ليكون هو (المؤثر) والحقيقي.

 

أولاً: التنصل من اللغة العربية

والمقصود "بالتنصل" أن السلوك العام أصبح يميل للغات الأجنبية, ويترك أو يزدري لغته الأم, وذلك بعدة مزاعم, فتارةً بحجة إنها لغة الحضارات المتقدمة, وتارةً لأنها لغة العلم الآن, كما أنها أصبحت من مراسيم الطبقية الاجتماعية, ولسنا في احتياج لأن نبرهن على أهمية تعلم كل اللغات الأخرى, وحث النص والعقل الإسلامي على هذا, ولكننا هنا نتكلم على المحاولة العلمانية لإحلال هذه اللغات محل لغتنا.

 

وقد ترى هنا أن صمود الإعلام الرسمي قد انهار في معركة اللغة؛ فلقد كنا نعلم أنه سقط في كل جوانبه المهنية وفقد كل صدقيته, لكنه ظلَّ محافظًا على احترام اللغة, غير أن هجوم الإعلام المستقل- من فضائيات وإذاعات وصحف- على الفصحى واتشاحه "باللغة الدارجة" قد أسقط التحفظ الرسمي الملتزم بالفصحى, بل أصبح التدني اللغوي والتعبيري أحد أخطر المآخذ على الإعلام الرسمي.

 

ومما له خطره بذات الشأن؛ هو هذه الاستهانة الشبابية الشديدة بلغتهم, بل وابتكارهم ألوانًا من لغات التواصل كأنها الألغاز, وحطم أولادنا بمدفعيتهم التي لا ترحم جهاد شيوخ اللغة ورهبانها في مجامعهم اللغوية, واعتبروا الكلام والكتابة بالفصحى من التصرفات (الخانقة) وهي على الأقل تكون سببًا للمزاح والسخرية, وليس بعيدًا من هؤلاء ما يصنعه ممثلو الكوميديا من هتك لعرض اللغة وتدمير احترامها, ولو من باب (التابو) الموروث.

 

لكنَّ الهموم قد تكالبت على اللغة واستفاد من ذلك العلمانيون جدًّا, يوم استجاب الدعاة المشاهير لإغراء التواصل بالعامية, فلم يساعدوا على احتقار اللغة فقط, بل وطدوا لأركان العامية, بحيث يصبح الداعية المتحدث بالفصحى (نشازًا) بين الدعاة.

 

لقد كان التخلي عن (لغة القرآن) أهم مقاصد الشيوعية المصرية للانسلاخ من هويتنا, والانضمام إلى الإعلان الشيوعي العالمي بلغته ومفرداته وقيمه, ما حدا بالمفكر اللاديني "سلامة موسى" أن يعيش مناضلاً لإحلال العامية محل الفصحى, وورثه الكثيرون امتدادًا لجهاده, والفكرة أن الارتباط باللغة العربية والتفاعل معها ييسر التفاعل مع "القرآن" والميراث القيمي الإسلامي, أما غيابها فيجعل المسلم بلا حصانة, ليصبح نهبًا للثقافات الأخرى, وهذا هو ما يقصده العلمانيون بالانفتاح على الآخر!

 

ولم يعد الأمر يحتمل السكوت, فالأبواب الموصدة فتحت الآن, وقرارنا بأيدينا, فلنبدأ بالمناهج الدراسية, والمعلمين, والإعلاميين ووسائل إعلامهم, ولندع مَن يعارض ليظهر على حقيقته, خاصةً بعد أن أصبح الاعتزاز باللغة الوطنية مشمولاً بالقداسة في البلدان المتحضرة, وأصبح العدوان عليها جريمة تسم صاحبها بأبشع السمات.

 

ثانيًا: هدم ركيزة التناصح

والمقصود بها ركيزة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ تلك القاعدة التي نجح الإعلام السلطوي أولاً في تشويهها, وخاض فيها المجتهدون منهم فلم يزيدوها إلا غموضًا.. وذهبوا إلى آفاق من الآراء وصلت بالمواطن إلى ما يشبه الاعتزال, والحياة الصحراوية رغم انخراط الجميع في مجتمع واحد, وأغلق كل واحد بابه على نفسه وانتشرت الأمثلة الشعبية التي تحض على ذلك, والتي حلت محل الأحاديث والآيات التي تدفع للتفاعل والإيجابية والتناصح, واقترب المجتمع من تطبيق مبدأ "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".. هذا فعل الفقهاء المذكورين, والذين كانوا ردة الفعل السلبية للغلاة الذين أرادوا إنكار المنكر بالعنف.

 

أما الساسة العلمانيون, فإنهم (ينحتون) لمفهوم "الحرية الشخصية", وتجريم التدخل فيها (وهو أمر يقره الإسلام), لكنهم ينحرفون بنا إلى الخروج تمامًا من دائرة التناصح الاجتماعي, بحيث يفعل مَن شاء ما يشاء, فينهار التماسك الاجتماعي الذي يمنع الفرد من ارتكاب حماقات أو انحرافات تخالف نسيج المجتمع وأعرافه, سواء في المظهر أو المخبر, وروج أصدقاؤنا العلمانيون لفكرة "التخلص من النفاق الاجتماعي" بحيث يصبح احترام العرف العام الصحيح نوعًا من القيود الكاذبة التي ينبغي تحطيمها, ثم يصبح الطريق مفتوحًا إلى اختيار الحرية المطلقة "الغربي بالطبع" الذي يشعر معه الفرد بتميزه وانعتاقه من أسر القيم الزائفة!!.. ولكنه في الحقيقة يفقد أخص مميزاته... وهو منهجه.

 

حينئذٍ سنرى الجميع خارجين عن دائرة التدافع الإيجابي, فإذا رأوا منكرًا تركوه إما لمؤاخذة القانون, أو لحرية من فعله, فينتشر المنكر الذي لا تطاله يد القانون, ويصبح الجهر بالفطر في رمضان, أو العلاقات الحميمة في العلن, أو مظاهر التبذل والتخنث, أو الخوض في العقائد.. كل هذا وأمثاله, يصبح حرية من الحريات, لا دور ولا حق للفرد في أداء مهمته كمسلمٍ ليعرف المعروف وينكر المنكر, فنلتحق بركب الأمم التي ارتضت هذا المسلك الانعزالي, وهي الغربية حتمًا, ليصبح التنازل عن ركيزة "التناصح" مطمحًا مهمًّا للانزلاق نحو التغريب الكامل.

 

هذا- إذن- ما يراد بنا ولنا, أن نترك علامات تميزنا وتمايزنا عن الحضارات الأخرى, أن نترك (البوادر) المقلقة لتصبح (ظواهر) مزعجة, ثم تتحول إلى (كوابيس) مدمرة.. أما الأخذ بالنهج القرآني في التدافع الاجتماعي ومحاولة إحلال أعراف سليمة, وتعليم الناس كيف يؤدون هذه الوظيفة على النهج الأصوب, فهذا مما يحاربه العلمانيون.

 

ولا شك أنهم يكسبون أرضًا كلما انتشرت السلبية, أو تضاعف الإنهاك الاقتصادي الذي يحول الأفراد إلى آلات لا تستجيب للتفاعل مع محيطها.

 

وكما ترى فإن هذا (الانحراف) يستفيد منه العلمانيون.. وكذلك كل انحراف في الركائز الاعتقادية والحضارية الإسلامية يكونون أول المستفيدين به.

 

ومن هنا وجب مواجهة هذه الانحرافات.

 

ومن هنا أيضًا يعلم الجميع أن الذي يقتات- في نشر فكرته- على انحراف أفراد مجتمعه, فمن المؤكد أنه لا يمثل هذا المجتمع, وأنه غريب عليه.. وأنه يضره ولا ينفعه.

------------

* Mohamedkamal62@ymail.com