ما زالت مظاهر الاحتقان والعصيان والتمرد تسود المشهد المصري العام، وما زال المزاج الشعبي والنخبوي لم يستقر ولم يهدأ بعد، هذه الأجواء تبدو طبيعية وواردة بعد ثورة رائعة بحجم ثورتنا في 25 يناير وبعد عقود طوال من الاستبداد والفساد والقمع أهدرت فيها المكانة والكرامة ونهبت فيها الثروات، أجواء سابقة أفسدت غالبية مكونات الحياة المصرية وفي المقدمة منها المدرسة "خط الإنتاج البشري كما يسميها الدكتور غنيم وزير التعليم".

 

تضررت المدرسة وكادت تنهار حين تحول التعليم إلى بعد سياسي أكثر من كونه حقًّا إنسانيًّا وواجبًا وطنيًّا وفرضًا شرعيًّا، وحين تحولت رسالة التربية والتعليم مهنة من لا مهنة له، وحين تراجعت منظومة القيم المصرية الحضارية الراقية والرائعة وسادت القيم المادية بل والنقدية، وأصيبت المدرسة في مقتل، وبالتالي تعطل خط الإنتاج البشري للمجتمع، حين توقفت أدواته الإنتاجية عن مسايرة الجديد في عالم التصنيع والإنتاج العلمي.

 

نعم نحن في مصر نعاني تحديات هائلة في أضخم وزارة في المنطقة العربية، وزارة التربية والتعليم"؛ لأن بها حوالي 48 ألف مدرسة، و18 مليون طالب، و14 مليون أسرة ، و1.6 مليون من العاملين في الوظائف التعليمية المختلفة"، من هنا كانت التحديات ومن هنا أيضًا تكون الفرص.

 

قواعد ومنطلقات:

** المعلم قيمة لشخصه كإنسان، ولرسالته كصانع للحضارة ومربٍّ للأجيال، له الحق كل الحق في مستوى مادي وأدبي ومهني يليق به وبرسالته النبيلة، وعليه واجب كل الواجب ألا يشكل بمطالبه الفورية أعباءً جديدة على الأسرة المصرية  التي تعاني منذ عقود.

 

** نعم مطالب المعلمين مشروعة نتفق معها في الهدف، لكننا نختلف مع البعض في الوسيلة والتوقيت.

 

** العلاقة بين وزارة التربية والتعليم والعاملين بها أو النقابات العمالية والائتلافات الممثلة لهم ليست هي العلاقة بين عمال المصانع وصاحب العمل، فالوزارة هي الأم العطوف، والعاملون هم الأبناء الأوفياء شركاء الواقع والمستقبل.

 

** المطالب والمشكلات لا تحل عبر الإقامة الدائمة للبعض في الفضائيات، كما يفعل بعض نشطاء السياسة، لكنها تحل باللقاءات والحوارات والنقاشات، والأهم أن يكون لصاحب المطلب بدائل وحلول واقعية وممكنة لا تصريحات وشعارات سرعان ما تنهار عند أول محطة للحوار العلمي والرقمي الدقيق.

 

** نعم من حق المصريين- وفي المقدمة المعلم- أن يُعلَن لهم جدول زمني لإصلاح الأوضاع المالية والاجتماعية، لكنه من الصعوبة بمكان أن يكون هذا المطلب في هذا التوقيت، توقيت توقفت فيه عجلة الإنتاج وأصبحت العمالة المصرية في الشارع أكثر منها في ميدان العمل والإنتاج، فضلاً عن بداية العام الدراسي؛ ما يؤثر سلبًا في المزاج العام للأسرة.

 

**  خلط الأوراق بإدخال الخلفيات السياسية بين النقابات والجمعيات والائتلافات والروابط الممثلة للمعلمين على ساحة الخلاف والمطالب ليس في صالح أحد، بل قد يؤزِّم الموقف ويضع العصا في العجلة.

 

** الوزارة تقف على مسافة واحدة من جميع العاملين بها وليست طرفًا في سجال سياسي حقيقي أو وهمي مع نقابة أو جمعية أو رابطة.

 

** ما زالت أشواق الأسرة المصرية في مدرسة من مدارس الزمن الجميل قائمةً لن تنطفئ، حين كان المعلم نعم الوالد والأستاذ والشيخ والقائد، المطلب حق وواجب لكن التحدي في سرعة التنفيذ.

 

** زيادة الفجوة بين المعلم والأسرة المصرية- موروث من عهود الاستبداد والفساد والقمع- ليس في صالح المعلم قبل الأسرة، "تنادي بعض الجمعيات والشخصيات بحتمية حصول المعلم على رخصة مزاولة مهنة التدريس من منطلق المعايير الدولية"، خاصة أن هناك شكاوى كثيرة من ممارسات غير تربوية يقع فيها عدد غير قليل من العاملين في حقل التعليم

 

خلاصة الطرح: 

المطالب مشروعة، والممارسات مقبولة، والمسئولية مشتركة، ويبقى الرهان على أجواء التفهم المتبادل بين كل الأطراف؛ حتى تستقر الأوضاع التعليمية والعامة في ظرف تاريخي حرج، وحتى لا نفاجأ بتظاهرات عارمة من الأسر المصرية التي عانت كثيرًا تقول: "الشعب لا يريد....".

-----------

  * المستشار الإعلامي لوزير التربية والتعليم.