نجح العهد البائد في تجريف التربة السياسية المصرية، وغدت المكونات الاجتماعية الرئيسية للمجتمع مهددة رغم المقاومة، وعصفت طبيعة النظام الاستبدادي بمفردات السياسة فلم تُبق ولم تذر إلا قليلاً... هؤلاء القليل هم الذين ظلوا راسخين على مبادئهم مؤمنين بالمستقبل مستبشرين بتغيير الأوضاع.
وجاءت الثورة كحدث رباني كنس قيم الحكم البائد، وبدأ يؤسس لمنظومة سياسية جديدة، ورغم التجريف السابق، إلا أن المجتمع بدا نشطًا لاسترداد عافيته، واحتل الشعور "بأننا أصحاب البلد" قلوبنا سريعًا، رغم التغييب العام والمتعمد لهذا الشعور وما يمثله من انتماء للوطن إبَّان الحكم البائد.
ولكننا نلحظ في الأفق سحبًا وغيومًا لدى التيار العلماني بمختلف فصائله، ورغبة مؤكدة منه للبدء في تجريف جديد للمجتمع السياسي المصري، وملاحظتنا هذه تؤكدها ممارسة ظاهرة للعيان وهي:
الإصرار على (علمنة) عملية التحول الديمقراطي؛ حيث نشأ في غفلة من الزمن فئات مسيسة ولاؤها للفكر الغربي، وإيمانها وثيق في نهجه، والمشكلة أن الأجيال السابقة ممن انتهجوا هذا النهج كانوا علماء ومفكرين؛ أي يمكن الاختلاف معهم على قاعدة من العلم الرصين مهما اشتدت ضراوة المعركة، أما النسق الحالي فهم مشرّبون بالنموذج الغربي (حفظًا لا فهمًا), واستسهالاً وليس دراسة ومقارنة، لذا فهم يرفضون أي مساس به في التطبيق، ويضعونه كمقياس صحة أو خطأ في كل الممارسات السياسية, وهم يرفضون أي قداسة لنصوص الوحي رغم أنهم يقدسون النص السياسي الغربي!!
ومن هذه الممارسات السقيمة التي توضح بجلاء مدى انطباق هذه الفكرة؛ رؤيتهم لدور المعارضة، ذلك الذي استقرت "أوروبا" على كونه دورًا (فاضحًا) للحكم، و(ساعيًا إلى إسقاطه)، و(الحلول) مكانه، وفي سبيل ذلك سمحت بكل أشكال المواجهة والنقد والمعارضة، وقد رأينا أغنية نقدية لمنهج "توني بلير" في حرب العراق تصوره "كلبًا" مربوطًًا في سلسلة يجرها "جورج بوش" الابن, أما نهج (المشروع القومي) الذي يفرض واجبات على كل الفرقاء السياسيين لبناء الدولة ووضع أسسها, ومواجهة نتائج التخريب المنظم للوطن على مدار عقود, فهذا يتم محاربته خشية أن يتم مشروع البناء بقيادة خلفيتها إسلامية.
و"صياغة الدستور" نموذج آخر؛ حيث نراه تتقاذفه حجارة أصدقائنا العلمانيين كلما طرحت أي مادة لها علاقة بالدين، فتثور ثائرتهم للإصرار على (الفصام النكد) الذي يعيشه الغرب بين الدين والواقع، ويريدون لنا أن نعيشه, مع ترديدهم الدائم لنشيد احترام الدين!
وأصحابنا في مصر يريدون هذا المنهج، ويصرون عليه ويقيسون بمقياسه، ويرفضون المحاججة العلمية التي تقضي بأن لكل مجتمع إفرازه الطبيعي وممارساته السياسية والاجتماعية، وفنونه وعاداته وتقاليده، أما الانسياق والانصياع الكاملين للنموذج الأوروبي، فهو يبدو للوهلة الأولى، وكأنه سير على خطى التقدم، لكنه في الحقيقة تغييب للعقل المصري، وحجب له عن تقديم تجربته وممارساته من واقع هويته وعالمه الثقافي.
الصوت الآن جهوري ومحذر! والعين العلمانية توجه بإصرار إلى تلمس الخطو الأوروبي في تأسيس نهضتنا، ومن هنا يكمن تصورنا أنه إذا كان "مبارك" قد جرّف أشخاصًا وأحزابًا وقيمًا، فإن مجموعات العلمنة الدءوبة على السطح المصري، تعمل لتجريف الهوية والعقل والتجربة، وتحاول وضعنا بملء إرادتنا! في قطار التبعية الثقافية، وأتصور أن هذا له أسبابه وهي:
أولاً: الخلفية العلمية
فنرى أن بعضًا ممن ارتبطوا بالعلوم الإنسانية العربية، واستقروا هناك, أو ظلت علاقاتهم العلمية والعملية قائمة، فإن القناعة والانبهار، بل والدعوة إلى هذا النموذج، كل هذا يصبح مسلكًا طبيعيًّا، وقد تشير إلى كاتب أو مدرس بالجامعة أو قيادة سياسية فتجد أن دفاعهم مقترن بطبيعة ممارستهم لحياتهم المرتبطة بالنموذج الغربي، وبالتالي لم يروا غيره، والأهم أنهم لم يفكروا في أنموذجهم العربي الإسلامي, بل ولم يجدوا مبررًا لهذا!
ثانيًا: الذين اختاروا العمل العام دون قاعدة فكرية توجه بوصلة اهتمامهم إلى هوية الوطن
ويسفر ذلك بصورة أوتوماتيكية عن ضرورة توجيه النظر إلى التجربة الجاهزة, الغربية طبعًا، والاستناد عليها، لا سيّما إن كان هؤلاء يتخذون موقعًا مبدئيًّا معارضاً للفكرة الإسلامية ونهجها.
والصورة الشائعة عن هؤلاء هو الكلام عن موضوعات عديدة بلسان واحد، هو اللسان الغربي، وتحسبهم ويحسبون أنفسهم مثقفين، فيتحدثون في كل أفرع الحياة بثقة، وهذا نوع من الثقافة أسميه "الثقافة السطحية السميكة"؛ حيث يتداول المجتمع الإعلامي عددًا كثيرًا من القضايا تجد أصحابنا قد حفظوا في كل قضية سطرين براقين من الثقافة الأوروبية فإذا جمعت السطور وجدتها كثيرة، وظننت أنك أمام مثقف حقيقي، لكن الحقيقة أنها "خبرة ثقافية" وليست "ثقافة خبيرة"، مما يجعل العملية السياسية محوطة بمجموعات متكاثرة من القادرين على الكلام، وهم طبعًا أبعد ما يكونون عن القدرة على التفكير- فضلاً عن التخطيط والقيادة- لا سيّما في مرحلة عاصفة فارقة كالتي نعيش!.
ثالثًا: الجماعات الحقوقية
تلك الجماعات المرتبطة بالتمويل الغربي، والتي تنطق بلسانه في كل القضايا، وأغلبهم يرى أنه يصنع خيرًا لنفسه ولوطنه, باعتبار أنهم (جماعات دفاع اجتماعي), وأن السياق الذي يعملون في إطاره أصبح مشهورًا ومعمولاً به في العالم, وأنهم يعملون في إطار مهمة نبيلة, حتى ولو كانت بإيعاز وتمويل أجنبي.
والحقيقة أن على هؤلاء أن يدركوا أنه ما من فكرة تفصيلية في مجتمع إلا ولها قاعدة من فكر كلي واعتقاد ديني، والأفكار التفصيلية حتى في الحريات وحقوق الإنسان ينبغي أن نستلهمهما بعمق وبرويّة من هويتنا، لأن تصوير الأمر على أن الحرية هي الحرية في كل نظرية، وأن مفهوم حقوق الإنسان هو نفسه في كل تشريع، فهذا تصور واهم, وادعاء زائف، فكل الأفكار التي تقود المجتمعات هي وليدة تطور مطّرد لقاعدة فكرية كبرى , وموقف عقائدي محدد، والمؤكد أن "فوليتير" و"روسو" و"هربرت سبنسر" لم يؤسسوا ديمقراطيتهم على الهوية العربية والإسلامية، ومن هنا فإن الاستفادة بهم يجب أن تكون انتقائية, وفى إطار رؤية عامة تستلهم الهوية ثم تمد ذراعيها لجميع الأفكار تفاعلاً واستفادة.
لنحافظ على هويتنا ولنسبق الخطا لنحلق مع الأمم المتطورة في آفاق تقدمهم.
-------------------