جمعتني الحياة العملية مع المثير للجدل هذه الأيام الصديق طارق الهاشمي نائب رئيس جمهورية العراق لمدة تزيد على العشرين عامًا؛ حيث كنا نعمل في مشروع خليجي مشترك يتخذ من الكويت مقرًّا دائمًا له, وتأسس في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أي قبل قيام مجلس التعاون الخليجي, وقد بدأ الصديق الهاشمي حياته العملية في السلك العسكري العراقي وتدرج فيه حتى بلغ الرتبة التي لا بد أن يعلن صاحبها انضمامه إلى حزب الطاغية المقبور وإلا... فلما كان الهاشمي سليل عائلة كريمة لم يعترف أفرادها بحزب البعث العلماني المدمر فقد آثر الانسحاب والاستقالة؛ فمن الله سبحانه عليه بفرصة ثمينة للعمل في مكتب مشروعنا الخليجي في بغداد.
ونظرًا لاستقامته وشخصيته المميزة وإجادته للغة الإنجليزية- وهذه نادرة في عراق صدام- وموهبته في مجال التسويق فقد أصبح مديرًا لهذا المكتب بعد وفاة سلفه, فلما أدركت الإدارة المركزية في الكويت نجاحاته المتكررة في التسويق بالإضافة إلى ما تقدم فقد تم نقله إليها كمدير إقليمي للتسويق مع بداية الثمانينيات, فكان عند حسن الظن به بعد أن استطاع خلال فترة وجيزة وبسياسة الضبط والربط التي يجيدها كعسكري متمرس أن يصنع شبكة عالية المستوى من الاتصالات والتنسيق بين مكاتب الشركة العالمية وفروعها الإقليمية من جهة وبين وكلائها المنتشرين في كل قارات العالم من جهة أخرى, حتى استطاع أن يرتقي بالمؤتمر السنوي للتسويق الذي يرسم السياسات ويعزز خطوط التعاون المنشود بين مكاتب وفروع ووكلاء هذا المشروع، الأمر الذي لاقى استحسان وسعادة كل من كان يعمل في هذا المجال, فتحقق الهدف الرئيسي وهو الاستفادة القصوى من جهود هؤلاء الوكلاء بعد أن فرض عليهم هذا المسئول نظامًا صارمًا للمراقبة وبشقيها المالي والتشغيلي.
بعدها ونظرًا للتطور الذي شهدته إحدى الإدارات المستحدثة وأهميتها العالمية منذ كلف الأخ الهاشمي بإدارتها وذلك قبيل جريمة الغزو الآثم على بلادنا بأشهر عدة ولما كان في مهمة رسمية خارج البلاد عند وقوع هذه الكارثة, فقد توجه مباشرة إلى الأردن واتصل بي فجر اليوم الثاني من الغزو فقال لي، وأنا أسمع حشرجات صدره ويقاوم دموعه الصادقة: يا أبو خالد أنا مؤمن بأن الله سبحانه لا يبتلي إلا من يحب, ولكن ما فعله هذا اللقيط بلاء عظيمًا لبلد وشعب وقفا معه في كل مغامراته المدمرة قلبًا وقالبًا وفي أحلك الظروف, ولكن ما عند الله خير وأبقى.
ولما سألته عما إذا كان هذا الطاغوت سيعيد النظر في جريمته ويسحب قواته أمام الضغوط التي تنتظره فأجاب بلهجته البغدادية ومعرفته التامة بشخصية هذا الغازي الحقير" لا عيني ما راح يطلع إلا إذا علقت (أي الحرب) فصدق في حدسه فنصحته بعدم العودة بسبب الغزاة متعهدًا له القيام بواجبي أمام أسرته.
وإذا كان لا بد لي من ذكر بعض المواقف مع هذا الرجل كصديق فقد كان متدينًا ويحرص على أداء الصلوات في أوقاتها, فكان وهو في طريقه إلى المصلى يطرق الأبواب على الموظفين ليحضهم على الصلاة قائلاً لهم: "صلوا قبل أن يصلى عليكم" ولما كان هناك الكثير من الموظفين من غير المسلمين أو من الذين لا يقيمون شعائر الله في أوقاتها فقد تقدموا لي بخطاب سري يطالبونه فيه بالكف عن دعوتهم اليومية هذه، وما أن استدعيته وأبلغته بالأمر حتى استجاب عن طيب خاطر بعد أن أكد لي أن هناك من يشكره لتذكيرهم بالصلاة لغياب صوت المؤذن.
هذا وقد كان الدكتور طارق الهاشمي ولا يزال نزيها إلى أبعد الحدود, فرغم تبوئه لهذا المنصب الرفيع كنائب لرئيس الجمهورية فقد آثر أن يبعد ابنه الوحيد زياد عن العراق, فطلب من المسئولين عن ذلك المشروع الخليجي تعيينه في مكتبها في مدينة دبي التي لا يزال يعمل فيها, فلم يستغل سلطته كما هي عادة العراقيين وغيرهم من المسئولين العرب. والمعروف أن الهاشمي قد فقد الكثير من أفراد عائلته بسبب الصراع الطائفي حول شخصه, ومنهم شقيقه وشقيقته, حتى إذا ما فشل خصومه في تصفيته جسديًّا لفقوا له تهمة الإرهاب أمام دهشة العالم المتحضر ودهشة كل من عرفه عن قرب.
والله نسأل أن يرفع البلاء عنه ويسبغ الطمأنينة عليه, وأن يكشف نوايا العاملين على الطائفية البغيضة أيًّا كان مصدرها, ونحمده تعالى أن هيأ له القائد التاريخي المسلم رجب طيب أردوغان الذي أواه وتعهد بحمايته بعد الله. (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (الطلاق: 2) صدق الله العظيم.