(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا 23) (الأحزاب).
 
 
 
كانت بدايتي معه عام 1990م عندما ارتحلنا من اليمن قاصدين القرن الإفريقي؛ فأقمنا في جيبوتي، وكان أول لقاء لنا معه بعد أسبوع من وصولنا وكأن الله هيأ هذا اللقاء لتزداد شحنتنا الإيمانية وليربط الله على قلوبنا ويثبت أقدامنا خصوصًا بعدما بدأ اليأس يدب إلى نفوسنا، حيث فوجئنا بالحياة الجافة القاسية والحرارة الشديدة التي لا تطاق والرطوبة العالية التي تخنق الأنفاس... وكنت أنا ورفيق دربي الشيخ محمد البني في حيرة من أمرنا ونتساءل بعد أسبوع صعب عشناه في كهف من الكهوف وبيت من الزنك لم نر النوم فيه ساعة متواصلة، كنا نتساءل: هل فعلاً سننجح فيما أوكل إلينا من مهام؛ أم هو الفشل- لا سمح الله- ونعود أدراجنا من حيث ارتحلنا؟


 
وكأن الله تعالى قد هيأ هذا اللقاء الأول به وبإخوانه ليرد العقول إلى صوابها، فكان لقاؤه ممتعًا جذابًا مؤثرًا حملنا فيه المسئولية كاملة ووضع في أعناقنا الأمانة وإن صورته لا تفارق مخيلتي حتى الآن وهو يذرف الدمع مدرارًا، وتنسكب العبرات منه انسكابًا، وهو يحدثنا عن معاناة أهل المنطقة والدماء التي تسيل رخيصة أنهارًا في الصومال، وفي إثيوبيا، والجهل الذي خيم على العقول والفساد الأخلاقي الذي استشرى، وبكى يومها وبكينا تأثرًا به على أمة تضيع وشعوب تباد.
 
 
 
لقد خرجنا من اللقاء بوجه غير الذي دخلنا به وبعزيمة أمضى مما كانت وبقلوب آمنه مطمئنة ونفوس هادئة مستقرة عشنا على أثرها ردحًا من الزمن- عطاء غير محدود- وما زال مستمرًا إلى يومنا هذا.. رحمك الله يا أحنف القرن الإفريقي.
 
 
 
عندما عايشناه والتصقنا به كنت أتذكر دائمًا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للأحنف بن قيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله"؛ فكان رحمه الله يتصف بهاتين الخصلتين العظيمتين اللتين تجلب للعبد حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكأن الرجل تربى في بيئة غير التي عاش فيها لما نعرفه من طبائع أهل المنطقة، ومن النادر جدًّا أن تجد من يجمع بين الصفتين.

 
 
عرفته عف اللسان؛ عف القلب فلم تخرج منه كلمة يومًا جرح بها أسماعنا ولم يتغير قلبه يومًا علينا، بل كان يتودد إلينا ويرأف بنا حيث اختلاف البيئات وتنوع الطبائع.
 
 
 
عرفته دمث الخلق، حلو المنطق، عذب اللسان، فكان دائمًا حريصًا على تخير الكلمات عندما يبدي ملاحظة أو ينصح نصيحة أو يوجه نقدًا لتنزل الكلمات علينا بردًا وسلامًا.
 
 
 
عرفته حي القلب عالي الهمة يغار على دعوة الله ويغضب أشد الغضب إذا انتُهكت حرمات الله. نجد فيه صفات الدعاة المخلصين وحنكة القادة والمربين عليمًا بالنفوس ويعرف للرجال أقدارهم؛ ويرجع الفضل لأهله.

 
 
كم كنت أتمنى أن نتصف جميعًا- قادة وجنودًا- ببعض ما عند الرجل من صفات، لقد جاهد وكافح ونافح فما لانت له قناة وما وهنت له عزيمة، وبعد انقطاع دام حوالي ثماني سنوات فإذا بي أرى الرجل كما هو لم يتبدل ولم يتغير بل ثابتًا على الحق يصدع به وبين الشباب يوجه ويربي حتى لقي الله تعالى.

 
 
كان آخر لقائي به قبل شهر من الآن وأنا أرافقه إلى فضيلة المرشد العام ضمن وفد يضم المراقب العام الدكتور علي باشا والمراقب العام السابق الدكتور علي أبو بكروكم كانت سعادته البالغة برؤية إخوانه وأحبابه وقد أشفقت عليه كثيرًا حين رأيته وقد أرهقه التعب وهده المرض وبلغ الجهد منه مبلغًا صائمًا قائمًا رغم شدة الحر؛ مصرًّا على أن يكمل المسير وأن يتم رحلة كفاحه ورغم إلحاحنا عليه بقسط من الراحة فإنه علم ألا راحة إلا هناك برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

 
 
رحمك الله يا أبا أحمد وأسأل الله تعالى أن يجمعنا بك على سرر متقابلين في جنات النعيم، وعزاؤنا فيك أن خلفت وراءك رجالاً بعدك نثق في قدراتهم وإمكانياتهم ونطمئن إلى إخلاصهم وتفانيهم، وإنا لنرجو الله تعالى أن يحقق بهم آمال الأمة، ويرفع بهم لواء الدعوة.
 
 
 
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا أبا أحمد لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إلية راجعون. 
 
-------------
 
* مقديشو- الصومال