تعد الهيئة العامة لقصور الثقافة الجهاز المسئول عن وعي الجماهير المصرية؛ وذلك أنها منذ أنشئت سنة 1945م باسم الجامعة الشعبية ثم تحولها سنة 1965م إلى الثقافة الجماهيرية، وهو الاسم الأشهر لها حتى اليوم، على الرغم من تغيره إلى الاسم القائم اليوم منذ سنة 1989م أسند إليها مهمة رفع المستوى الثقافي للجماهير وتوجيه الوعي القومي للمصريين عبر مسارات السينما والمسرح والموسيقى والآداب المختلفة والفنون الشعبية والتشكيلية وخدمات المكتبات وما يتعلق بها من نشر مركزي وإقليمي يكتشف المواهب المصرية ويعرف بها ويضعها على بدايات الطريق.

 

وقد كان المأمول أن تضطلع هذه الهيئة صاحبة الأدوات الممتدة المتنوعة بأداء دورها في خدمة القضايا الوطنية وتسهم في دفع عملية التنمية ثقافيًّا.

 

والحق أن هذه الهيئة تملك تجربة ثرية إبان العهد الذي كانت تسمى فيه باسم الثقافة الجماهيرية، والتحمت فيه بقضايا المواطنين وتواصلت معهم تواصلاً جيدًا في المناسبات والمواسم المختلفة التي يعرفها الحس القومي المصري بروافد المتنوعة الدينية والوطنية والشعبية، وهو تاريخ ما زال كثير من العاملين في هذه القطاع يترحَّمون عليه ويرجون عودته من جديد.

 

وقد كانت الحقبة السابقة للحكم في مصر فترة فساد بامتياز طال هذه الهيئة، فمثلت بدرجة كبيرة الذراع الثقافية الخادمة للسلطة والباطشة بمعارضيها في الوقت نفسه، وربما كان من المهم أن نعرف أن أنس الفقي كان واحدًا من رؤساء مجلس إدارتها الذين كرسوا لهذا المنحنى الذي ما زال قائمًا إلى اليوم باستثناءات قليلة.

 

وتمثلت علامات الاعتداء على الثقافة المصرية الأصلية في المحاور التالية:

أولاً: الاحتفاء الظاهر برموز الثقافة المنتمية للتيارات غير الإسلامية من اليساريين والليبراليين والعلمانيين، وطالت خدمة رموز عربية، من أمثال حيدر حيدر السوري وبول شاءول اللبناني وغيرهما.

 

ثانيًا: الإفراط في التبشير بأدب الحداثة المؤسس لفكرة تجاوز القيم وهدم المرجعيات، ولا يزال كتاب إدوارد الخراطة متداولاً معبرًا عن برنامج الحداثيين المصريين.

 

ثالثًا: الحفاوة البالغة بنصوص صادمة ومتجرئة على البنية الثقافية الأصلية في تعرضها الهاجم على المشترك الثقافي الأصيل المتعلق بالنبوة والوحي والعقائد والعبادات.

 

رابعًا: الانتصار الدائم للأصوات الغربية التي تنتصر لمصر الأوروبية المتغربة التابعة عن إيمان ترسخ مع الوقت منذ طه حسين بأن مصر أقرب من الثقافة الغربية منها للثقافة العربية الإسلامية، وهو وجه خطر جدًّا ينفق عليه بسخاء.

 

خامسًا: تأخر ملحوظ في خدمة القطاعات الجماهيرية المهمشة في مصر، والدليل على ذلك تأخر في إنشاء الإدارة العامة للتمكين الثقافي لذوي الاحتيجات الخاصة التي تأسست هذا العام فقط.

 

سادسًا: انعدام التنبه إلى القطاعات الشعبية البعيدة جغرافيًّا عن العاصمة، فلا يصل إليها أي نوع من الخدمات الثقافية، وهي مجتمعات الصيد ومجتمعات الصحاري، ومجتمعات الريف العميقة في الوجهين البحري والقبلي.

 

سابعًا: إغلاق مجالات النشر المركزي والإقليمي في الغالب على طوائف من الكتاب المؤدلجين المنتمين لتيارات فكرية بعينها تخاصم الثقافة المصرية الوطنية والعربية والإسلامية وتنتصر للأشكال والتقنيات الفنية التي تكرِّس للتبعية وتنتصر للوجه الفرعوني بشكل شوفيني.

 

أنا أعلم أن في هذه الهيئة رجالات وطنية من العاملين فيها، وأعلم بعض القيادات المحترمة وإن تكن قليلة لكنها إما مغلولة اليد أو مهمشة أو مستبعدة أو مضطرة إلى الصمت بفعل ما يمارس ضدها من قهر وظيفي.

 

وأعلم كذلك أن في هذه الهيئة إمكانيات مادية وفنية كبيرة يرجى أن تنتظم في عمل وطني يقوم بما تنص عليه مواثيق تأسيسها من رفع المستوى الثقافي للجماهير من خلال توظيف الأوعية الثقافية المتنوعة.

 

وأجزم أن المسألة ليست في غياب الكفاءات ولا الخبرات الوطنية؛ ذلك أن الهيئة تمتلك عددًا منها، وتملك أن تلجأ إلى كثير من الخبراء من الجامعات والأكاديميات المختلفة، ولكن المسألة مسألة التسييس التي كانت وما تزال تمارسه الهيئة؛ إذ كانت تدعم النظام السابق وتحارب معارضيه من الإسلاميين والوطنيين المعارضين.

 

والمأمول أن تعود الهيئة إلى صفوف الجماهير مؤسسةً وطنيةً تخدم الثقافة المصرية بوجوهها المتنوعة، من خلال الأدوات التي تمتلكها.

 

لقد كان لي حظ أن تعاونت مع الهيئة في أكثر من موقف، فاستطعنا بإمكانات قليلة في بعض الأحيان أن ننجز بعض المنجزات الثقافية من بوابة وطنية منتمية، ظهر ذلك في أعمال مؤتمر أدب الغضب، ثم أعمال مؤتمر القاهرة في الثقافة المعارضة، ثم في أعمال المؤتمرات الثلاثة الأولى للتمكين الثقافي لذوي الإعاقة؛ أشهد أنه بالإمكان إعادة هذه الهيئة إلى خدمة الوعي الثقافي المصري بعد قدر من الجهد في اتجاه التخطيط السليم والرؤية الوطنية المخلصة.

 

وأنا أدعو كل المثقفين المخلصين أن يفعِّلوا نشاطاتهم عبر مؤسسات هذه الهيئة، وأن ينضموا أعضاء عاملين في قصورها وبيوت أدبها وورشها الفنية؛ ذلك أن خدمة الثقافة الوطنية واجب تحتم المرحلة التي نعيشها أن نحمل أعباءه.

--------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية.