لا تسمع شيئا سَيِّئًا، ولا تنظر إليه، ولا تسأل عنه، ولا تفعله، ولا نحو ذلك مِمَّا يُتعِس من الشرّ لك أو لغيرك من عموم الناس والمخلوقات، حتى تكون سليم الصدر، لا شيء في بالك غير الخير، وهو الذي يتناغمَ مع فطرة عقلك التي بَرْمَجك خالقك عليها ولا يُصادمها، فتحيا آمنًا سَلِسًا ًسعيدًا سعادة تامة في دنياك، ثم أتمّ وأسعد في أخراك إنَّ هذا هو ما يُفهَم ضمنًا من قوله (ص): "لا يحدثني أحدٌ عن أحد ٍبشيء، فإني أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" (رواه أحمد وغيره).. جاء في كتاب "القول المفيد على كتاب التوحيد" لابن عثيمين شارحًا هذا الحديث: "... ينبغي للإنسان إدخال السرور على إخوانه المسلمين ما أمكن بالقول أو بالفعل، ليحصل له بذلك خيرٌ كثير وراحة وطمأنينة قلب وانشراح صدر، وعليه فلا ينبغي أن يُدخل السوء على المسلم..".

 

ويؤيده وصيته تعالى في قوله: (لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة: من الآية 101)، والتي قال فيها الإمام السعدي في تفسيره: "ينهيَ عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بُيِّنَت لهم ساءتهم وأخزتهم.."، وقال فيها أيضًا الإمام البيضاوي في تفسيره: ".. وهو أنه مِمَّا يغمّهم والعاقل لا يفعل ما يغمّه...".

 

ويزيده تأكيدًا قوله تعالى: (مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ) (النساء: من الآية 85) (كِفل: أي نصيب).. قال الإمام الطبري في تفسيره: ".. عَمَّ بذلك كلّ شافع ٍبخير ٍأو شرّ..."، ويُضيف الإمام البغوي في تفسيره: ".. وقيل: "... ينال الثواب والخير.. والسيئة: ينال الشر.."، ".. فمَن يكون وسيطًا ويُشارك في أيّ خيرٍ كان، عادَ عليه بخير بنسبة ِمشاركته وتفاعله وصِدْقِه.. والعكس صحيح تمامًا، إذ مَن يُشارك في أيّ شرٍّ تعِس بالقدْر الذي شارَك به وفيه وهو ما يُفهَم أيضًا من بعض معاني قوله تعالي: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: من الآية 199)، والذي قال فيه الإمام الزمخشري في تفسيره "الكشاف": "... واغضض عَمََّا يَسُوؤك منهم..".  

 

لقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يَتغاضيَ ويتغافل عمَّا يكرهه، بل ويجتهد في نسيانه سريعًا لإزاحة أثره السلبي المُتعِس والانتقال بسرعة لمَا هو مُسعِد، مع النصح بصورة عامة أو خاصة بما يُناسب الحال لمنع الشر والتعاسة ولنشر الخير والسعادة له ولغيره.. يقول (صلى الله عليه وسلم): ".. ولا تجسّسوا ولا تحَسَّسوا.." (جزء من حديث رواه البخاري ومسلم)، قال الإمام ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": "... قال الخطابي معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها.. وأصل هذه الكلمة التي بالمهملة من الحاسَّة إحدي الحواسّ الخمسة، وبالجيم من الجَسّ بمعني اختبار الشيء باليد.. وقيل: بالجيم البحث عن بواطن الأمور وأكثر ما يُقال في الشر، وبالحاء البحث عمَّا يُدرَك بحاسة العين والأذن..".

 

كذلك كان (صلى الله عليه وسلم) يغيّر الاسم القبيح حتى لا يُتعِس أحدًا! وكان يطلب ممن له شعر أن يكرمه ليَسعَد ويُسعِد به! ويحب أجمل الثوب وأنظفه، وأطيب رائحة، وأفضل ابتسامة ومصافحة وكلمة، وما شابه ذلك ممَّا يُسعِدُ مِن معاملات وعلاقات، ويَكره في المُقابل ما يُتعِسُ من سيئ ِالألفاظ والأفعال والمناظر والروائح والألبسة والأطعمة ونحوها
يقول (صلى الله عليه وسلم أيضًا: "من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (رواه الترمذي وغيره).. قال في شرحه الإمام الكلاباذي في "بحر الفوائد": "مِن أوصاف الناس وأقوالهم.. ولا ينظر إلى عيوبهم... ويقبل منهم ظواهرهم ويوكل سرائرهم إلي الله تعالى... والإعراض عن مختلف أحوالهم إلا فيما يلزمه فرض أمر بمعروف أو نهي عن منكر في رقة بهم وشفقة عليهم وإرادة الصلاح لهم"... ويضيف الإمام المباركفوري في "تحفة الأحوذي": "قال ابن رجب الحنبلي في كتاب "جامع العلوم والحِكم"... "ترك ما لا يعني من المحرَّمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المُباحات التي لا يُحتاج إليها فإنَّ هذا كله لا يعنيه المسلم إذا كمُل إسلامه.."، ويضيف الإمام القاري في "مرقاة المفاتيح": "أي ما لا يهمّه ولا يليق به قولاً وفعلاً ونظرًا وفِكرًا، فحُسْن الإسلام عبارة عن كماله..... فينبغي للمرء أن يشتغل بالأمور التي يكون بها صلاحه في نفسه في أمر زاده بإصلاح طرفي معاشه ومعاده وبالسعي في الكمالات العلمية والفضائل العملية التي هي وسيلة إلى نيْل السعادات الأبدية.."

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام ممَّن يبحثون عن السعادة ويجتنبون التعاسة، في كل لحظات حياتك وكل مواقفها وأقوالها وأفعالها، وادع غيرك لمثل هذا، تسعَد ويَسعدون، في الدنيا والآخرة.