في الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى تكريس نمط من العلاقات المتوازنة مع كافة دول العالم، تأتي الجولة الأوروبية التي سيقوم بها الرئيس محمد مرسي إلى كل من بلجيكا وإيطاليا نهاية الأسبوع الجاري، لتبعث بالمزيد من رسائل الطمأنة حول توجهات مصر الثورة والتأكيد على ضرورة تفعيل الدور الأوربي في تحقيق التنمية وإعادة البناء.

 

ووفقًا لما أعلنته الرئاسة المصرية فإن تلك الجولة تستهدف أساسًا جذب الاستثمارات التي تسهم في إقامة المزيد من المشروعات في مصر، وهو ما يتيح المزيد من فرص العمل، كما تهدف لتنشيط العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، وتأكيد الإدارة السياسية في مصر على حماية وتسهيل الاستثمار، وتوصيل هذه الرسالة إلى أوروبا والعالم.

 

وتتعاظم أهمية رسائل الطمأنة التي سوف ترسلها زيارة مرسي لإيطاليا وبلجيكا، حيث إن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الثاني لمصر، وهو أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية فيها، وهو ما يتطلب المزيد التوضيح للمسئولين الأوروبيين حول ما قامت به مصر من خطوات في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، وأن ما تم اتخاذه من إجراءات مؤخرًا يهدف إلى التطوير وضخ دماء جديدة في شرايين العمل الإداري والوطني.

 

وترتبط مصر مع الاتحاد الأوروبي على المستوى التعاقدي، باتفاق المشاركة المصرية الأوروبية الذي دخل حيز النفاذ في يونيو عام 2004 ويضم عدة قطاعات للتعاون التجاري والاقتصادي والتعليمي والصناعي، ضمن أمور أخرى.

 

فيما انخرطت مصر في سياسة الجوار الأوروبي، من خلال اعتماد خطة عمل سياسة الجوار في أبريل 2007، ويتم من خلال خطة العمل، اجتماعات دورية لمجموعات العمل المنبثقة عنها في مجالات التعاون المختلفة وما تتضمنه من أهداف متفق عليها، بما في ذلك السياسية والاجتماعية. ويتضمن التعاون المالي بين الطرفين الاتفاق على القطاعات التي سيتم استهدافها في "البرنامج الاسترشادي الوطني"، والذي يمثل برنامج التعاون المالي (مخصصات مالية في صورة منح) يقدمها الاتحاد الأوروبي لتنفيذ خطة العمل (بلغت 558 مليون يورو للأعوام 2007-2010)، شملت قطاعات الصحة والنقل والدعم المباشر للموازنة.

 

وليس ثمة شك في أن الاتحاد الأوروبي يولي أهمية كبيرة للتعاون مع مصر في مجال الطاقة، حيث يجري تنفيذ مذكرة تفاهم المشاركة الإستراتيجية المصرية الأوروبية في مجال الطاقة، ويركز الجانب المصري على جوانب بناء القدرات ونقل التكنولوجيا ودعم الجهود المصرية للاستخدام الأكبر لمصادر الطاقة المتجددة، حيث يتماثل الهدفان المصري والأوروبي في محاولة التوصل إلى نسبة استخدام للطاقة المتجددة تصل إلى 20% من إجمالي مصادر الطاقة، بحلول عام 2020.

 

كما تعتبر مصر المستفيد الأول من القروض الميسرة للمرفق الأورومتوسطي الشراكة والاستثمار (الذي أنشئ أول مكتب له في مصر)، كما تعد مصر أكبر الدول المستفيدة من قروض بنك الاستثمار الأوروبي ضمن دول المنطقة الأورومتوسطية.

 

وفي هذا الإطار تأتي مساعي الرئيس مرسي لجذب المزيد من الاستثمارات وتنويع سلة المساعدات الأجنبية لمصر، ضمن خطوات تنفيذ مشروع النهضة الهادف لتحديث المجتمع، وتحقيق التقدم، وهو ما يعزز إمكانية أن تجتذب مصر مستقبلاً استثمارات تبلغ 200 مليار دولار، نظرًا لفرص الاستثمار الواسعة والواعدة فيها، خاصة أنها تحتاج إلى مشروعات هائلة في مجالات البنية التحتية، كما أنه تمثل سوقًا واسعةً للمنتجات.

 

وفيما أثمرت زيارة الرئيس مرسي للصين عن وعود باستثمار مليارات الدولارات من خلال اعتزام العديد من الشركات الصينية إقامة مشروعات في مصر، فإن الزيارة المقررة لإيطاليا سوف تسهم في تعزيز العلاقات المتميزة بين مصر وإيطاليا واستمرار دعم الجانب الإيطالي لمصر من خلال التعاون في مختلف القطاعات وتنفيذ المشروعات التنموية ذات الأولوية للجانب المصري.

 

كما تتزامن الزيارة مع مشاورات جارية بشأن آليات تنفيذ الشريحة الثالثة من برنامج مبادلة الديون الإيطالية والذي تم توقيع الاتفاق الخاص بها في 10 مايو الماضي بمبلغ 100 مليون دولار ليتم استخدامها في تمويل المشروعات المدرجة بالخطة العامة الدولة.

 

حيث من المقرر في إطار الشريحة الثالثة أن يتم تمويل تنفيذ مشروعات في قطاعات الأمن الغذائي، التعليم، الزراعة، البيئة والتراث الحضاري.

 

ومما يشار إليه في هذا الإطار أنه تم الانتهاء من الشريحة الأولى لبرنامج مبادلة الديون الإيطالية، والتي جرى إطارها مبادلة 150 مليون دولار ساهمت في تمويل 53 مشروعًا تنمويًّا امتدت أنشطتها لتشمل 24 محافظة تقريبًا، فيما تم توقيع الاتفاق الخاص بالشريحة الثانية مع الحكومة الإيطالية في عام 2007 بمبلغ 100 مليون دولار لتمويل عدد من المشروعات التنموية وفقًا لأولويات خطة التنمية المصرية.

 

ويأتي اختيار إيطاليا لتكون المحطة الأوروبية الأولى لجولات الرئيس مرسي بسبب حرص إيطاليا منذ ثورة 25 يناير على تأكيد دعمها لمصر في جميع خطوات الإصلاح، حيث
قام وزير الخارجية الإيطالي جوليو ترتسي خلال الأشهر الستة الأخيرة بزيارة القاهرة ثلاث مرات، كما قام ماريو مونتي رئيس الحكومة الإيطالية بزيارة مصر في يوليو الماضي لتأكيد أن إيطاليا أولى الدول الأوروبية التي توفد مسئولاً حكوميًّا على أعلى مستوى رفيع إلى مصر بما يعكس اهتمام روما بدعم العلاقات الثنائية مع مصر.

 

أما بلجيكا وهي وجهة غير تقليدية للرؤساء السابقين، رغم أن العلاقات المصرية البلجيكية متميزة في كافة المجالات منذ أربعينيات القرن الماضي.

 

وتأتي أهمية العلاقة بين البلدين نتيجة للموقع الإقليمي الذي تحظي به البلدان، حيث تعتبر بلجيكا قلب الاتحاد الأوروبي وعاصمتها بروكسل عاصمة غير رسمية للاتحاد الأوروبي لكثرة مقار الاتحاد فيها.

 

وقد شهدت العلاقات بين مصر وبلجيكا تناميًا مطردًا في الفترة الأخيرة من خلال زيادة حركة العلاقات الثقافية والاقتصادية وذلك بمشاركة الجانبين المصري والبلجيكي في الفعاليات الثقافية التي تُقام في كل من القاهرة وبروكسل. وينظم العلاقات التجارية بين البلدين اتفاق المشاركة المصرية الأوروبية الذي تم التوقيع عليه في بروكسل بتاريخ 25 يونيو 2001 ليحل محل اتفاق التعاون الشامل والذي ظل ساريًا منذ عام 1977.

 

ووفقًا لبيانات البنك المركزي المصري فقد احتلت الاستثمارات البلجيكية المرتبة الثانية أوروبيًّا، والتي ارتفعت خلال الربع الثالث من العام 2011- 2012 لتصل إلى 9ر171 مليون دولار، حيث تتصدر استثمارات دول الاتحاد الأوروبي قائمة الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى مصر.

 

كما تضم محفظة التعاون بين مصر وبلجيكا عدة اتفاقات تنظم علاقات التعاون الثنائي، فيما تحتل العلاقات الثقافية والتعليمية مكانًا مميزًا في منظومة العلاقات بين البلدين.

 

وإذا كانت كل من إيطاليا وبلجيكا قد حذرتا سائحيهما من زيارة مصر بسبب حالة الانفلات الأمني، فإن زيارة الرئيس مرسي يمكن أن تزيل أثر هذا التحذير بما سوف تؤكده من استقرار الأوضاع في مصر، وأن البيئة الاستثمارية في مصر هي الأفضل، وأن اختيار البلدين لتكونان الوجهة الأولى لرئيس مصر الثورة هو بمثابة فتح صفحة جديدة للعلاقات مع أوروبا تسهم في دفع عجلة التنمية المصرية، استنادًا لتاريخ مميز من العلاقات الثقافية والإنسانية.