- استهلال:

من سلوك المسلمين أنهم: كثر عند الفزع وقليل المغنم, وقد ورد عنهم في القرآن الكريم قول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (9)) (الحشر)، ولقد عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا فقال لهم: "ما لي أراكم تكثرون عند الطمع، وتقلون عند الفزع".

 

وفي الواقع المعاصر نجد سلوكيات بعض المسلمين قد تغيَّرت ولا سيما القريبون من بطانة ولي الأمر، إذ نجد بعضهم يقلون عند الفزع والتضحية ويكثرون عند المغانم سواء كانت ماديةً أو معنويةً أو خدميةً، وهذا ليس من قيم وخلق السلم، بل يجب التعفف عند المغرم لتجنب الشبهات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "... فمَن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب" (رواه مسلم).

 

- ليس من خصال المسلمين المزاحمة عند المغنم:

من سلوكيات النظم الظالمة الحاكمة أن بطانتها قائمة على تحقيق المغانم، وكلما ازداد قرب الفرد من الحاكم كان حافزه ودافعه الأساسي الحصول على غنيمة مادية أو جاه أو سلطان، وليس نظام حكم الرئيس المخلوع منا ببعيد إذ كانت سلوكيات معظم أعضاء الحزب الوطني تقوم على المصلحة وليس على أساس مصلحة الوطن، وكان حافزهم تحقيق مصالح ذاتية أو لذويه أو لمَن يدفع ثمن المصلحة، ولقد عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء كما سبق الإشارة في قوله: "ما لي أراكم تكثرون عند الطمع، وتقلون عند الفزع".

 

أما المسلم وغير المسلم المواطن الحق المخلص لوطنه يكون عفيفًا نزيهًا، ولا سيما القريب من مواقع السلطة واتخاذ القرار، فقد قال عمر بن الخطاب للعاملين على بيت المال: "أنا على هذا المال مثل الوصي على مال اليتيم، من كان غنيًا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف"، كما منع إبل ابنه عبد الله من أن تزاحم إبل عامة الناس في المرعى، حتى لا يُجامله الناس مكرمةً لأبيه, وقال الإمام علي بن أبي طالب: "ما عدل ولي أمر تاجر مع رعيته, وكان القضاة في صدر الدولة الإسلامية يتجنبون دخول الأسواق حتى لا يُجاملهم أحد بسبب وظيفتهم.

 

وفي هذا المقام أُقدم نصيحةً إلى كل مواطن وخصوصًا من له قريب أو صديق في مركز السلطان واتخاذ القرار ألا يطمع في مغنم مستغلاً علاقته الخاصة به على حساب عامة الناس، فهذا منهي عنه في الإسلام، والأدلة على ذلك كثيرة يضيق المقام لعرضها.

 

كما أقدم نصيحة إلى مَن بيده ولاية من ولايات الدولة أن يكون أمينًا وصادقًا وورعًا وعفيفًا ونزيهًا، وأن يستشعر رقابة الله عليه، ولا يجامل أحدًا على مصلحة الوطن، وإلا فقد خان الله ورسوله ورعيته.

 

- الغنم بالغرم والكسب بالجهد:

يقول الأستاذ سيد قطب- يرحمه الله- في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام: "لا كسب بلا جهد، ولا جهد بلا كسب"، وهذا مستنبط من القاعدة الشرعية التي تنص على: "الغنم بالغرم", وتأسيسًا على ذلك يجب على مَن يتولى أمرًا من أمور الدولة أن يتعفف عن أي كسبٍ بلا جهد، وألا يستغل أي مناسبة أو فرصة ليغنم دون جهد أو تضحية؛ لأن ذلك من الغلول المنهى عنه شرعًا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هدايا العمال غلول" أي حرام.

 

كما يجب على المسلم أن يكون نموذجًا حسنًا في عمله، وفي علاقته بولاة الأمور من حيث النزاهة والعفة، وأن يتجنب الحصول على أي كسب دون حق معتبر شرعًا، وبذلك نصلح الدنيا بالدين من خلال تطبيق قواعد ومبادئ السياسة الشرعية، كما يجب الإيمان العميق بأي من أسباب البركة المعنوية والمادية هو بذل الجهد والتضحية من أجل أمن واستقرار ورخاء الوطن.

 

كما على العاملين في دواوين الدولة أن يتعففوا عن قبول الهدايا ذات العلاقة بوظائفهم, ويسأل نفسه: ألا جلس في بيته وينظر هل يهدي له؟.

 

- خائن من استعمل رجلا ويعلم أن هناك من أولى منه:

أحيانًا نجد بعض الناس يستغل علاقته بولي الأمر أو بأحد بطانته ويتولى أمرًا من أمور الدولة، ويوجد من هو أكفأ منه، فهذا من الخيانة، ويقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال: 27)، ولقد ورد في تفسير هذه الآية أن ولاية أمور المسلمين من الأمانات التي يجب المحافظة عليها من خلال الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه عندما طلب الولاية الإمارة: "إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تولى من أمر المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجل، وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك، وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين" (الطبراني).

 

ولذلك يجب الالتزام بالمعايير الإسلامية لاختيار العاملين في الدواوين الحكومية، وما في حكمها، من أهم هذه المعايير ما يلي:

أن يكون تقيًا وورعًا ومخلصًا وأمينًا وصادقًا وحليمًا وعفيفًا ونزيهًا ومأمون الغائلة، وقادرا على تحمل المشاق في سبيل عمله, ويؤمن بأن عمله عبادة وفريضة دينية.

 

أن يكون حاد الذهن، حاضر الحس، جيد الحدس، وقادرًا على اتخاذ القرارات.

 

أن تتوافر فيه صفة الكفاية متمكنًا في القيام بما يوكل إليه من أعمال في ضوء الواقع والمعاصرة ملتزمًا بشرع الله وبالقوانين واللوائح والقرارات العادلة.

 

ويمكن تلخيص هذه المعايير في:

معيار القيم الإيمانية والأخلاقية الحسنة والسلوك المستقيم.

معيار المهارات الذهنية والمهنية والحرفية.

معيار الكفاءة والمعاصرة.

 

- نماذج عملية من تطبيق سلوك.. كثر عند الفزع وقلة عند الطمع :

نموذج عنتره بن شداد:

ورد في الأثر عن عنترة بن شداد عندما كان يفخر بقبيلته وبنفسه قوله: "أغشى الوغى وأعف عند المغنم".

 

نماذج من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان يلتزم رسول الله صلى الله بالعدل في كل شيء ومن أقواله صلى الله عليه وسلم: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها", ولقد ورد الأثر عند توزيع الغنائم، أن قال له أحد الصحابة: اعدل يا محمد!، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "ويحك إن لم أعدل فمن يعدل!"، كما كان يتعفف عن مال الزكاة ويأخذ الهدايا، فقال: "لا تحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيئًا"، وقال صلى الله عليه وسلم لأحد العاملين على الزكاة: "هدايا العمال غلول".

 

ولقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم حاسب أحد العاملين على الزكاة يقال له ابن اللتيبة، فلما قدم قال: لكم هذا، وهذا أهدى إليّ : فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول هذا لكم وهذا أُهدي إلى، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أُيهدى إليه أم لا؟ وقال من استعملناه على عمل ورزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلكم غلول، والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة، يحمله على رقبته، وإن كان بعيرًا رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تعير، ثم رفع يديه إلى السماء: وقال اللهم بلغت ثلاثًا"، فترك ابن التيبية ما أُهدي إليه ولم يمسه، فاتجه إليه أبو ذر وقال: هذا أفضل، فقال الرجل ما كنت أدري، فقصد ابن التيبية رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذر له وطلب العفو، وهكذا وضَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم القواعد التطبيقية للرقابة على أموال الدولة ومحاسبة العاملين عليها وتحريم الكسب من الوظيفة فهو غلول، وحرمة تسخير المال العام لأغراض حزبية.

 

- نماذج من مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

كانا أولاد عمر بن الخطاب في زيارة لأبي أيوب الأنصاري في العراق، فأعطاهما مالاً لتوصيله إلى أبيهم ليودع في بيت مال المسلمين، وأشار عليهما بشراء بضاعةٍ من بلاد الشام ثم بيعها في المدينة، ثم سداد أصل المال إلى بيت المال ويأخذان الربح، ففعلا ذلك، وربحا من هذه الصفقة فلما سلما أصل المال إلى أبيهم رفض وقال: لا بد وأن يدخل أصل المال وربحه إلى بيت المال تجنبًا للشبهات، واختلفا في الرأي الفقهي حول ربح الصفقة التجارية، وتدخل أحد الصحابة وقال: تكون هذه العملية مضاربة ويُوزع الربح بين بيت المال وأولاد عمر مناصفةً.. ونخلص من هذه الحادثة نزاهة وعفة عمر من أن يتكسبها ابناه من جاه والدهم.

 

كما ورد في الأثر أن بعث إلى عمر بن الخطاب بحلل (قطع قماش) فقسمها، فأصاب كل رجل ثوبًا، فصعد المنبر وعليه حلة- والحلة ثوبان- فقال عمر: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان (أحد الصحابة): لا نسمع!! قال عمر بن الخطاب: ولم يا أبا عبد الله؟! قال سلمان لأنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك حلة. فقال عمر بن الخطاب: لا تعجل يا أبا عبد الله! ثم نادى عمر ابنه عبد الله، فقال له يا عبد الله بن عمر. فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: نشدتك الله، الثوب الذي ائتذرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم!، فقال سلمان: أما الآن فقط نسمع.

 

نماذج من مناقب عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه:

يُذكر أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قد عين حيان بن شريح على مصر، كتب حيان إلى عمر يقول له أن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية حتى استلفت من الحارث بن ثابت عشرين ألف دينار لأتم عطاء أهل الدواوين، وطلب حيان من عمر أن يأمر بتوقف الذميين عن انتحال الإسلام، فأجاب عمر: "قد وليتك على مصر وأنا عارف بضعفكم وقد أمرت رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطًا، فضع الجزية عمن أسلم قبَّح الله رأيك، فإن الله بعث محمد صلى الله عليه وسلم هاديًا ولم يبعثه جابيًا".

 

ومما يذكر في هذا المقام أن عمر بن عبد العزيز كان في بيته موقدًا شمعة، فطرق عليه الباب أحد المسلمين.. فقال له إن كنت أتيت لتسألني عن أمر يخص المسلمين، اترك الشمعة موقدة، وإن كنت أتيت لتسألني عن أمر خاص، اطفئ الشمعة، وهذه القصة تُوضح بجلاء ورع حكام المسلمين ومحافظتهم وحمايتهم للمال العام وعن التكسب من الجاه أو المنصب.

 

- نماذج من مناقب شباب ثورة مصر.. كثر عند الفزع:

لقد طبَّق مبدأ: كثر عند الفزع وقليل عند المغنم أنه أثناء ثورة مصر العظيمة في ميدان التحرير، ويشهد بذلك الجميع على اختلاف عقائدهم وأيديولوجياتهم ومذاهبهم, فعلى سبيل المثال كان كل مواطن مخلص لوطنه يضحي بكل عزيز لديه حتى بروحه التي بين جنبيه من أجل الوطن لا ينتظر مغنمًا، هذا يضحي بالدواء، وهذا يضحي بالطعام والفرش، وهذا يضحي بالدفاع عن المتظاهرين بالكلمة الحماسية، وهذا يضحي بتعرضه بالهلاك من رجال الأمن، وهذا يضحي بأولاده، وهكذا ليس بهدف المغنم ولكن من أجل الوطن.

 

والنموذج العظيم هو نفير شباب الثورة يوم موقعة الجمل الشهيرة ((عند الفزع))، إذ كثر الشباب متضامنين متآلفين مجاهدين للتصدى لفلول الحزب الوطنى وأعوانهم بباعث التضحية من أجل نجاح الثورة، ولقد ثبتهم الله وأيَّدهم بجنود من عندهم وتحقق النصر، ولم يكن في موقعة الجمل مغانم بل مغارم، ويرحم الله شهداء الثورة ويشفي جرحاها، كما تكرر هذا النموذج في جميع المحافظات وليس ما حدث بالسويس مدينة القتال والجهاد منا ببعيد.

 

- الخلاصة:

نخلص من التحليل السابق أن من خلق وشأن المسلم أنه كثير عند الفزع وقليل عند المغنم، ولا يجوز أن يطلب الولاية لنفسه، وإذا كلف بها يقوم بحقها وفقًا لمعايير الأمانة والمصداقية والكفاءة والتعفف والنزاهة، ولا يجوز أن يتميز عن الآخرين لقرابة أو لصداقة لمَن بيدهم اتخاذ القرارات من بطانة السلطان، فقد قال أهل الفقه والعلم: "لا كسب بلا جهد، ولا جهد بلا كسب"، وقالوا: "مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة".

 

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل, اللهم إجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه, اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك.

------------

* الأستاذ بجامعة الأزهر- خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية

E.m: Darelmashora@gmail.com

www.Darelmashora.com