كلية الآداب جامعة المنوفية

 

1 - مدخل: هل ثمة مجال للتفاؤل؟

 

من الحق أن يفرح أي مثقف بدعوته ليتحدث حول المشكل الثقافي الذي يعترض مسيرة الوطن في بعض مراحل تاريخها الحرجة.

 

والفرح مبعثه أكثر من سبب يتقدمها أن الدعوة جاءتني من دار الهلال العريقة وهي واحدة من المؤسسات الثقافية الوطنية بامتياز ورمز دال علي الممكن الثقافي الذي يستطيع أن يوحد الوطن العربي الأكبر بتأمل موقع مؤسسها جورجي زيدان العربي سواء اتفقت معه أو اختلفت.

 

ويضاف مسوغ آخر للفرح يمثل في أن لقاء المثقفين المصريين من الأطياف والفصائل المختلفة من شأنه عندما تصفو النيات لإنقاذ الوطن أن يعظم بنود المشترك فيما بينها وهذه البنود كثيرة جدًا يمكن تعظيمها والبناء عليها.

 

إن تصرف المؤسسات الثقافية والصحفية الحكومية منها تعيينًا من زاوية أنها مؤسسات للشعب تحتفي بجميع أطيافه الثقافية وهو ما يجعلنا أمام مسوغ حقيقي ظاهر القيمة يبعث علي التفاؤل والإيجابية.

 

سعدت جدًا بدعوة صديقي الأستاذ محمد الشافعي رئيس مجلة الهلال مع مجموعة من مثقفي مصر رأت إدارة المجلة علي غير ما كنت أحب أن تجري بينهم ما يشبه المواجهة أو المناظرة وهو ما بدا من طريقة الجلوس وتوزيع أدوار الكلام وفي هذه الأجواء فإن التحاور والاجتماع حول الملامح الشكلية والموضوعية أجدى للثقافة المصرية علي كل حال.

 

وسعدت بلقاء الأساتذة من الجانب اليساري الأساتذة فريدة النقاش وصلاح عيسى وأحمد عبد الحفيظ وطارق النعماني وشعبان يوسف ومجدي أحمد علي  وربيع مفتاح.

 

كما سعدت بلقاء الأساتذة من الجانب الإخواني الأساتذة خالد بنورة وعاصم شلبي ومحمود خليل وترتيب الأسماء هنا جاء بترتيب جلوسهم علي يمين مدير الندوة ثم شماله.

 

2- ملاحظات شكلية قد تكون كاشفة!

 

بدا من خلفيات الدعوة علي الأقل أن ثمة ازدواجًا في معايير التعامل مع الجانبية فعلي حين تم الاتصال من قبل الهلال بأحد عشر مثقفًا من غير الإخوان فإن الاتصال بالجانب الآخر كان بستة فقط ومثل الجانب الأول في المنتدى ستة متحدثين علي حين تحدث من الإخوان أربعة فقط.

 

والحق يقضي أن أقرر أن محمد الشافعي حاول تفسير ما حدث في محاولة لتبريره والاعتذار عنه وهو أمر شكلي أود تجاوزه لكنه قد يكون كاشفًا عن بعض المشاعر السلبية في التعامل مع حالة المثقف الإخواني تكرس لتاريخ طويل من إقصائه وتشويهه!

 

مسألة أخري مهمة تستحق التنويه بدت ملاحظة غير عامة وهو استمرار استدعاء اليسار لحالة المهيمن والوصي علي مقدرات الثقافة المصرية وهو ما بدت علاماته ظاهرة من تسمية محمد الشافعي لهم بفريق المثقفين والمبدعين في حين لم يجر علي لسانه وصف فريق مثقفي الإخوان بأي من هاتين الكلمتين علي امتداد اللقاء الذي استمر نحوا من ثلاث ساعات كاملة، فضلاً عن مجيء اليسار وفي خلفيات حضورهم استدعاء حالة المحاكمة.

 

أضف إلي ذلك أن ثمة ظهورًا جليًا لمعجم غير جيد من عدد من المنتمين لهذا التيار الثقافي، بدا واضحًا من استعمال كلمات غير شريفة ولا لائقة ولا تصح في ميدان التحاور الثقافي بين التيارات الوطنية المختلفة المختلفة، وإنني في هذه السطور أعلن أن فريقًا من اليسار ينطلق من بوابة الخصومة والعداوة والفجور فيها وكان ظاهرًا أن أصوات واحد كطارق النعماني بما جرى علي طريقة تعاطيه، تمثل حالة غير خافية بين أفراد التيار اليساري في مصر مما يمثل حالة إعاقة حقيقية لمحاولات التوافق الوطني ثقافيًّا وغير ثقافي.

 

لقد تصمم عنوان اللقاء ففرض أجواء المواجهة من البداية ومصر الآن في حاجة إلي الحوار والتقارب بين أبنائها جميعا.

 

3 – موجز قائمة الاتهام:

 

والذين أتيح لهم حضور هذه الندوة المهمة يدركون أن اليسار حاول أن يدخل إليها بروح ممثل الاتهام وأرجو أن أكون أمينًا موفقًا في سردها موجزة فيما يلي:

 

أولاً- اتفقت أصوات التيار اليساري علي أنهم يشعرون بقدر من المخاوف من تصور الإخوان للثقافة في اتصافه بالغموض، أو الريبة أو التلاشي وعدم الوجود.

 

ثانيًا- اتفقت أصوات هذا التيار علي قراءة نوعية للتراث والتركيز علي ما يسمونه بعلامات الحرية فيه حتى وصل الأمر بصلاح عيسي أن قرر أن في أدب ابن حزم فقرات كاملة بورنوجراف أي الأدب المكشوف جنسيًّا!

 

ثالثًا – أثارت بعض أصوات هذا الفصيل ولاسيما أحمد عبد الحفيظ أهمية مسألة المحتوى في أشكال التغيير في مصر المعاصرة وقرر أن الإخوان يخلطون في صورة لبسًا ظاهرًا بين الأيديولوجي والثقافي والسياسي وأنهم لا يملكون رؤية واضحة لمفاهيم الهوية والوطن.

 

رابعًا – وركزت فريدة النقاش علي ما سمته بمخاوف غياب الإصلاحية في ثقافة الإخوان.

 

خامسًا– وعولت أصوات هذا الفريق علي اجترار التهم الجاهزة بشأن الرقابة والمصادرة واستدعت حالة الشعر الجاهلي لطه حسين مرة أخرى.

 

سادسًا- وألح الفريق علي اليساري على استدعاء تهم من مثل: احتكار الحقيقة وتفشي السلفية والتحريض علي التعامل العنيف مع المبدعين.

 

كانت هذه مجمل جريدة الاتهامات التي نوع أصحاب هذا الفريق في التعبير عنها.

 

4– هل يملك الإخوان رؤية ثقافية؟

 

وفي كلمتي التي أقمتها علي استدعاء وعاء معلوماتي تقليدي هو الكتاب صمتتها علي:

 

أ‌- مفتتح.

 

ب‌- واستهلال.

 

ج-ومتن.

 

د-حاشية.

 

وهذا السؤال المقصود في عنوان هذه الفقرة شغل حيز المتن في كلمتي    وأعيد مقررًا أن التصور الإخواني قائم علي اعتبار أن الثقافة هي الجناح النظري الحاكم لرؤية الكون من منظار قرآني متعاطف مع الإنسانية الحضارية مثمنا العطف علي كل ما هو إنساني نافع مبهج متسامح، وإن كان يعطي وزنًا نسبيًّا أكبر لتجلي هذه الرؤية في الأبعاد الحضارية والتطبيقية بمعني أن الثقافة في التصور الإخواني تسير علي قدمين أحدها للرؤية الإنسانية المتعاطفة الحانية، وثانيهما للتطبيق المادي الحضاري الذي يعكس هذه الرؤية وهو ما جعل هوامش العقل المادي الحضاري الإيجابي في تجليات المدارس والمستشفيات والأوقاف ودور العبادة للمسامين وغيرهم وهو كل التجلي الحضاري تقريبًا في الوقت الذي انمحى فيه هامش المؤسسات المدمرة كمؤسسة السلاح مثلاً.

 

من جهة أخري فإن تصور الإخوان للثقافة ليس تصورًا ثابتا متكلسًا أو جامدًا لاعتبارات كثيرة يأتي في مقدمتها:

 

أولاً- إيمان جماعة الإخوان بضرورة التجديد الظاهر في إيمانهم فتجديد الإيمان وتعرضه للزيارة والنقص وإيمانهم بفكرة تجديد الدين تعكس وعيًا بضرورة التطوير النابع من الذات.

 

ثانيًا- إيمان الجماعة بأن الحكمة منثورة في العالم والإيمان الإخواني محكوم ببحثه عن هذه الحكمة في كل مكان كما جاء في بعض حديث الترمذي: أني وجدها فهو أحق الناس بها، وهذا الإيمان بانتثار الحكمة في العالم يعني في أصله الإيمان بعدل الله ورحمته بالخلق جميعًا.

 

والمدهش في الأمر أن يتغافل مواجهو الإخوان عن أن واحدًا من أهم أعمدة صناعة الإنسان في أدبيات المؤسسي حسن البنا ماثلة في أيقونة شديدة التكثيف، وهي مثقف الفكر وقد ترتب عليها اعتبار القراءة فريضة تفرضها طبيعة التيار الحركية والدعوية بين الناس.

 

والمدهش كذلك أن فحص تاريخ الفعل الثقافي عند الإخوان يقود إلي أن الإخوان يقرءون الآخر قراءات إيجابية وهو ما يعكسه التعامل الإبداعي مع المنتج الإبداعي، عمومًا وفي هذا السياق فإن نجيب الكيلاني لطالما تردد على صالونات نجيب محفوظ كما يحكي في سيرته الذاتية، وفحص الدراسات الأكاديمية لأفراد الإخوان، تقرر ذلك وهو ما يقرر أن نقاد الإخوان الأكاديميين لم يقصوا إبداع التيارات المختلفة فدرس النقاد الإخوان أمل دنقل والغيطاني   ونجيب سرور وغيرهم.

 

ومن وجهة أخري فإن التصور الإخواني للثقافة قائم علي تقدير المراجعات ونقد الذات الأمر الذي يمارسه رواد بجوار شباب وأكبر دليل علي ذلك ما يمارسه مثلاً: محمد أحمد الراشد، وراشد الغنوشي بشكل عام.

 

وهو ما أنتج عددًا من المراجعات المنبثقة من الشأن الثقافي بشكل العام لقد تراجع الإخوان رسميًّا عن موقف حسن البنا من التعددية الحزبية بعيدًا عن أجواء الضغوط والمرونة التي أحدثتها ثورة 25 يناير فمنذ سنة 1994م صدرت هذه المراجعة.

 

وتراجع الإخوان عن رفض المشاركة السياسية للمرأة وقرروا في واحدة من أشهر أدلة نقد الذات علي المشاركة السياسية للمرأة وما رست هذا واقعيًّا أيضًا بعيدًا عن أجواء الضغوط أو المصالح.

 

إن التصور الإخواني وهو يلح علي مقام التربية القائمة علي مربع الثقافة في برامجها الثقافية يقرر بامتياز أن العقل الثقافي والصناعات الإبداعية تشغل مساحة لا يمكن إظلام العيون عنها.

 

5 - الهامش حين يطغي فيمحو المتن:

 

وما زلت أرجو أن تتعامل فصائل المثقفين غير الإسلاميين وغير الإخوانيين مع غيرهم من بوابة الحوار والأخوة الوطنية لا من باب الوصاية والاتهام والمحاكمات.

 

ومع ذلك فإن تقدير قيمة الحوار وتقدير ضرورة التعاطف مع كل فصيل وطني يفرض أن ندخل معهم في حوار يقدر مخاوفهم ويرعاها ويتعامل معها بإيجابية لا تعرف الاستعلاء ولا التسخيف.

 

ومازلت مصر علي أن هذه الدفوع تظل هامشًا لأن الفصيل الإخواني ليس متهمًا وليس مغتالاً للفعل الثقافي.

 

وفيما يلي سأحاول وضع رءوس أقلام في الرد علي ما ووجه به الإخوان ثقافيًّا مع تجاوز عدد كبير، إن لم يكن الكل لمناقشة الشأن الثقافي وتوسعوا فضموا إليه شئونًا أخرى!

 

وأنا أقرر أن المخاوف الطبيعية أمور مقدرة والتعامل الإيجابي معها ثقافة قرآنية.

 

أولاً- بدت كثير من اتهامات تيار اليسار منصبة علي محاكمة التيار الإسلامي وبدا واضحًا عندهم عدم القدرة علي التمييز بين تمايز الفصيل الإخواني واختلافه أو بدا قصد التسوية بين الفصائل هذه جميعا، انطلاقًا من منطق الاتهام وسوء الظن وفي هذا السياق عول غير واحد من اليسار علي مهاجمة نجيب محفوظ، وهو الأمر الذي قام به غير الإخوان فانتقل طارق النعماني ليقرر أن صمت الإخوان مشاركة في الجريمة، وهو أمر عجيب إذ الإخوان لم يصمتوا علي مهاجمة نجيب وإنما كتبوا في تثمين حالة نجيب المبدعة وكتبت أما شخصيًّا في موقع "إخوان أون لاين" بعد هجوم بعض رموز الدعوة السلفية علي محفوظ.

 

ثانيًا – يتجاوز اليسار قصدًا أو نسيانًا أو عددًا من الحقائق فلا يرون عناية الإخوان تاريخيًّا وواقعيًّا اليوم بالمسرح حتى وصل الأمر إلي تأسيس فاطمة عبد الهادي لفرقة نسائية قدمت عددًا من المسرحيات في الأربعينات.

 

ويتجاوز اليسار فلا يرون عددًا كبيرًا من المبدعين في ميادين الشعر والرواية والمسرحية والكتابة عمومًا.

 

ثالثًا- كما أن مناقشة محتوي حركات التغير المصرية تتغافل في القراءة اليسارية التي يقدمها واحد كالأستاذ أحمد عبد الحفيظ عن أن مشاريع التغيير والثوري منها في المقدمة كانت مشاريع إسلامية فعمر مكرم وعرابي وسعد زغلول أزهريون.

 

ومسالة اللعب في سؤال الهوية كلام عجيب؛ لأن الثابت في التصور الإخواني أن سؤال الهوية سؤال مركزي في حركتهم وأن عمود تصورهم للمصري قائم علي مبدأين جامعين هما كونه: متدينًا/ صانعًا.

 

وسؤال الوطن يمثل حالة من حالات التألق يضحون في سبيله ويرتبطون به ويسعون إلي ترقيته والدفاع عنه وموقف حسن البنا شديد الظهور في تصوره للوطن من بوابة.

 

1- الجغرافيا: مصر أرض كريمة.

 

2-البيولوجيا: وهي منبت الإنسان.

 

3- الحضارة والعراقة التاريخية

 

4- وهو ما يتوجب معه العمل الدءوب من أجل تقدمه وصولاً إلى الدفاع عنه حتى الموت.

 

رابعًا – ومن جانب آخر فإن اتهام الإخوان بافتقاد ثقافة النقد مسألة تبدو بين تغافل مريب لواقع الفكرة الإخوانية التي ترى في طريقة لحكم الأموية رأيًا غير سديد، ولعل ما وجهه سيد قطب إلي التاريخ الإسلامي من انتقادات شاهد علي ذلك مكتوب متداول بلغ من شدته أن دعا القرضاوي إلى ترشيد هذا النقد في كتابه: تاريخنا المفتري عليه.

 

خامسًا – مسألة أن الثقافة عند الإخوان لا تعرف السؤال والجدل فهذا كلام يبدو عجيبًا صحيح أن القلق الفلسفي لا ظهور له في الجانب السلبي ولكن الفكرة الإسلامية والإخوان في القلب منها لا تعرف الاطمئنان الثقافي الداعي إلي الجمود ولكن سؤال التغير وقلق المستقبل مسائل مرعية تحتل مساحة شاسعة من عمل الأفراد والجماعة جميعا.

 

سادسًا- ومن أعجب ما سمعته من فريدة النقاش كلامها عن أحادية مصدر المعرفة في ثقافة الإخوان وهو أمر يدمغ القراءة اليسارية بغير قليل من عدم الوعي وعدم الإنصاف، ذلك أن مناهج الإخوان تعرف: اللغة والجغرافية والتاريخ والعلوم الشرعية وتعرف وتقدر الثقافة الأجنبية وتدرس لأبنائها: الملل والفرق والاتجاهات الحديثة ليس فقط لتقويمها ولكن أيضا للإفادة من تجاربها.

 

إن الثقافة الأجنبية ليست منفية في التصور الثقافي عند الإخوان بل إنهم يفزعون إليها طلبًا للفائدة منها.

 

 
سابعًا- وفيما يتعلق بمخاصمة الإخوان لتيارات الإصلاح فهو كلام يؤكد الظلمة التي تعتري رؤية اليسار، ذالك أن الفحص والدرس المعاصر يقرر أن حركة الإخوان حركة إصلاحية، وشاع في الأدبيات المدرسية أنها امتداد لحركة محمد عبده عبر بوابة رشيد رضا.

 

إن ما يبقى من التحور حول موقع الثقافة وطبيعتها عند الإخوان لا يمكن أن يكون هزيلاً، ولاسيما وهم يقدرون في برامجهم الثقافية الثقافة الإنسانية، يحنون على ما يوافق رأيتهم للكون والحياة وهو ما ظهر من انحيازه للأبعاد السبعة إلي تشكل ثقافة المصريين والتي صاغها باقتدار المفكر المصري ميلاد حنا في كتابه الأعمدة السبعة للشخصية المصرية وهو ما ترجم في برنامج حزب الحرية والعدالة في بابه السابع المتعلق بالثقافة والفنون، كما يدخلون في حوار حضاري مع ما يصادم رؤيتهم للثقافات الأخرى المخاصمة لتصوراتهم، ففي الوقت الذي تحرك غيرهم لمصادرة الشعر الجاهلي ومحاكمة طه حسين انشغل حسن البنا بمناقش أفكار الكتاب والرد عليها في منتديات عامة علنية قيل: إن طه حسين شهد بعضًا منها.

 

مصر في حاجة إلى كل أبنائها وإلى كل فصائلها الوطنية، لأن سفينة الوطن لابد أن يدفعها ويحميها الجميع من دون اتهامات أو إقصاءات أو استعلاءات.

 

دامت مصر حرة ماجدة متحضرة، ودامت أصوات مثقفيها ومبدعيها من كل الفصائل والتيارات بلا استثناء.