من المعلوم للجميع أن الرئيس محمد مرسي قد آل على نفسه التصدي لخمس من قضايانا خلال المائة يوم الأولى من فترة رئاسته الأولى التي نتمنى أن تتوج بالإنجازات الوطنية والشعبية بما يؤهله إلى فترة رئاسية ثانية، ومن المعلوم أيضـًا للجميع أن قضية المرور هي إحدى هذه القضايا الخمس، ولكن ما قد لا يعلمه الكثيرون أن هذه القضية من المستحيل التعامل معها كقضية مستقلة، كما أنه من المستحيل تحقيق نجاح متميز في شأنها بمعزل عن التصدي المتزامن والناجح لمجموعة أخرى من القضايا ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بقضية المرور، فهذه القضية في تقديري عرض أكثر مما هي مرض، وفي تقديري أيضـًا أن النجاح في مواجهتها نجاحًا تامًّا هو حلم إذا ما استغرق إنجازه كامل الفترة الرئاسية الأولى للسيد الرئيس محمد مرسي لكان ذلك من قبيل المعجزات التي سيذكرها التاريخ لسيادته ولمؤسسات الدولة كافة.
إن قضية المرور لا ترتبط فقط بمستوى الأداء الشرطي لرجال المرور، ولا ترتبط فقط إضافة لما سبق بجودة وجدوى قانون المرور من حيث النص والتطبيق والفاعلية، ولا ترتبط فقط إضافة لما سبق بتدني السلوك العام للمواطنين سواء كانوا سائقي مركبات أو مارة أو باعة جائلين أو متظاهرين أو معتصمين، ولكنها ترتبط إضافة لكل هذا بقضايا سكانية وإسكانية وعمالية وتعليمية وتخطيطية، أي أن التصدي لقضية المرور بما يحقق نجاحًا متميزًا يستلزم حتمية التعامل معها في إطار مشروع قومي ضخم يستهدف التصدي لكافة القضايا سالفة الذكر وتحقيق نجاحات متميزة على التوازي في كل منها، وفى تقديري المتواضع أن التصدي لهذه القضية في إطار مشروع قومي كما أسلفت يستلزم وجود شقين متكاملين أولهما يتمثل في وجود رؤية نظرية مبتكرة تتسم بالواقعية والموضوعية وثانيهما يتمثل في الشق العملي القادر على تحويل النظرية إلى واقع ملموس بما يتطلب تشكيل لجنة من جميع الوزارات المعنية وبحيث تعمل بروح الفريق وتتسم بالرغبة الصادقة والعزيمة القوية والإصرار على النجاح، وأقترح أن تكون هذه اللجنة برئاسة السيد رئيس الوزراء، هذا وجدير بالذكر أن هذا المشروع القومي ينبغي التعامل معه على محورين أولهما معنى بالمدى القصير (ويمكن إنجازه عبر قرارات وتشريعات سريعة)، وثانيهما معنى بالمدى المتوسط والطويل (وهو يتعلق بجذور القضية بما فيها من تعقيدات اجتماعية واقتصادية يتطلب إتمام إنجازها المزيد من الوقت)، وهو ما يتضح عبر البنود التالية:
أولاً: المحور المتعلق بالمدى القصير
1- إدماج شرطة المرافق بصلاحياتها في شرطة المرور.
2- إدخال بعض التعديلات على قانون المرور بما يضمن تحقيق ما يلي:
- توفـير الحصانة اللازمة لرجال المرور بما يكفـل لهم أداء واجباتهم بالدقة والأمانة المرجوة، وذلك بتغليـظ العقـوبات القـانونية في مواجهة كل من يتجاوز في التعامل مع رجال المرور، مع ضرورة تفعيل مبدأ الثواب والعقاب في محاسبة رجال المرور.
- إعادة النظر في البدلات المقررة لرجال المرور وزيادتها بما يتناسب وظروف عملهم، وبما يعف ضعاف النفـوس منهم عن قبـول الرشاوى في أي صورة ولأي سبب.
- تغليظ العقوبات المقررة على كافة صور مخالفات المرور والإشغالات.
- إقرار إعفاءات ضريبية يستفيد منها مالكو المركبات الملاكي والأجرة حال عدم ارتكابهم لأية مخالفات طيلة فترة المحاسبة.
- منح شرطة المرور الصلاحيات الكفيلة بمواجهة وضبط الآداب العامة دون انتقاص من صلاحيات شرطة الآداب.
3- التوسع في إنشاء أكبر عدد ممكن من الأسواق العامة على أطراف المدن الجديدة في شتى أرجاء مصر، وتزويدها بالمرافق العامة، وتقسيمها إلى محال بمساحات مناسبة تتراوح بين 10 و20 مترًا مربعًا، وتسعيرها بأسعار مناسبة بما لا يزيد عن 1500 ج للمتر المربع، وتمليكها على أقساط سنوية متساوية لمدة 10 أعوام لكل من يرغب من الباعة الجائلين وغيرهم من البسطاء العاطلين عـن العمل، وإعفاؤهم من أية ضرائب أو عوائد طيلة فترة التقسيط، مع إصدار الضوابط المانعة للتصرف والبيع ونقل الملكية.
4- إصدار قانون لتنظيم حق التظاهر والإضراب والاعتصام، بما يكفـل هـذه الحقـوق للمواطنين بالصورة والآلية التي لا تنتقـص من هيبة الدولة ولا تحـرم باقي المواطنين من حقـوقهم المشروعة في حياة هادئة وآمنة ومستقرة.
5- التوسع في إنتاج مواد الدعاية والإرشاد والإعلام الهادفة إلى ترسيخ القـيم والسلوك الحضاري في أذهـان ووجدان أفراد المجتمع، وذلك بتضافر مجهودات وإبداعات كل من الإدارة العامة للعلاقات العامة بوزارة الداخلية والإدارة العامة للمرور وأجهزة الإعلام الرسمية ووزارة التربية والتعليم كل فيما يخصه.
6- إنشاء مجمع حكومي (أسوة بمجمع التحرير) في كل محافظة من محافظات الجمهورية، وبحيث تمثل فيه كافة الوزارات والجهات الرسمية المعنية بالتعامل المباشر مع المواطنين والمعنية بقضاء مصالحهم، بما ينهي أو يخـفف من حجم التوافـد البشري الحالي من مختلف المحافظـات إلى العاصمة.
7- إعطاء أولوية لتنفيذ الاستثمارات كثيفة العمالة في المحافظات الطاردة للقوى العاملة.
ثانيًا: المحور المتعلق بالمديين المتوسط والطويل
1- إصدار قانون بإقرار حوافز للأسر عن الطفلين الأول والثاني وحرمانهم من تلك الحوافز عن الطفل الثالث وما بعده، وبحيث تطبق هذه الحوافز بعد عام من إقرارها، وهذه الحوافـز يمكن ربطها بسياسة التعليم المقـترحة في كتابي (أطواق النجاة لأمة تغرق) كما يمكن تفعيلها لفترة زمنية محددة فقـط لحين تجاوز مصر لأزماتها الاقتصادية والإسكانية والتعليمية الخانقة.
2- إعادة النظر بجدية تامة في القوانين والقرارات المتعلقة بإصدار تراخيص البناء لتتضمن ما يلي:
- تقرير حد أقصى لطوابق الأبنية بمختلف صورها (إسكان- تجاري- صناعي- إداري.. إلخ) وبحيث لا تزيد عن ستة طوابق.
- التحديد الجغرافي للأماكن الأكثر احتياجًا للمؤسسات الخدمية (مؤسسات تعليم، مستشفيات، جراجات.. إلخ) وعدم منح تراخيص بناء جديدة لما يتم هدمه من عقـارات، وبحيث تقـوم الدولة ممثلة في المحافظات والأحياء المختلفة بشراء هذه الأراضي من ملاكها بالأسعار العادلة واستغلالها في إنشاء المؤسسات الخدمية الأكثر تلبية لاحتياجات المنطقة وفق جدول رسمي للأولويات.
- أن تصدر تراخيص البناء ملزمة للمالك بإنشاء جراج أسفل العقار يكون مخصصًا لخدمة شاغلي العقار.
3- التوسع إضافة لما ورد بالبند (3) في إنشاء المولات التجارية والصناعية (الورش) في مختلف الأحياء كبديل عن المحال التجارية التي يفترض وفق هذه الخطة أن تنقرض تدريجيًّا من داخل التجمعات السكانية.
4- تعديل قانون العمل بحيث يتضمن ما يلزم جهات العمل على اختلافها (حكومة، قطاع عام، قطاع أعمال، خاص.. إلخ) بتعـيين موظفيها في أقـرب فروعها إلى محال إقامتهم ما لم يتعارض ذلك مع احتياجات العمـل وهيكل الدرجات الوظيفـية، مع تطبيق نفـس المبدأ الجغرافي فيما يتعلق بالتحاق الطلبة بالمدارس على اختلاف مراحلها وتصنيفاتها.
5- وضع مخطط زمني لتصفية العشوائيات (وتبلغ ما يزيد عن 1220 منطقة عشوائية وفق إحصاء عام 2009 للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء)، وذلك بما يحقق توزيعًا أفضل للسكان، وبما يسهم بشكل كبير في حل مشكلة المرور، وبما يرفع من المستوى المعيشي لسكان هذه المناطق وما يستتبعه ذلك من تحسين لقيمهم وسلوكياتهم الاجتماعية، وبما يحقق للدولة أفضل بديل ممكن لاستغلال طاقاتها المعطلة، بل وبما يحقـق للدولة على المدى المتوسط انتعاشات متوازية في مجالات الاستثمار العقـاري ومجالي التشغيل والتوظيف، وتتمثل هذه الخطة فيما يلي:
- الإيقاف الفوري لإصدار أية تراخيص للبناء في المناطق العشوائية القائمة أو الناشئة.
- تكليف المحافظين (كل فيما يخصه) بإعداد ثلاثة جداول، أولها بحصر كامل لكافة المناطق العشوائية مرتبة بحسب أولوية التصفية، وثانيهم بحصر للمشروعات الإسكانية المقامة وغير المستغلة، وثالثهم بالمناطق المرشحة لإقامة مشروعات إسكانية.
- البدء الفوري بالتصفية التدريجية للمناطق العشوائية بدءًا بالمناطق الأولى بالتصفية، ثم البدء الفوري ووفق أبسط الآليات والإجراءات في تمليك الأسر المرحلة لوحداتهم الجديدة بتسهيلات ميسرة جدًّا في السداد، بالإضافة إلى تمليك عائلي هذه الأسر لمحال تجارية أو ورش صناعية (وفق المتاح بما ورد في البند 3 من المحور الأول) بديلة عن محالهم وورشهم بمناطقهم محل التصفية، مع منحهم أقصى رعاية وعناية ممكنة في توفـير كافة عوامل الاستقـرار المعيشي سواء فيما يتعلق بسرعة تحويـل أبنائهم إلى المدارس البديـلة أو فيما يتعلق بتلبية مطالبهم الوظيفية (تعيين، نقل.. إلخ) في مؤسسات العمل المتاحة والأقرب إلى محال إقاماتهم الجديدة.
- إعادة بناء المناطق العشوائية وفـق تخطيط عمراني يلبي الطموحات المستقبلية لمختلف المدن والأحـياء، وإعطاء أولـوية للمشروعات الخدمية ثم المشروعات السكنية المربحة للدولة ثم الإدارية وفق أولوية الاحتياجات الخاصة بالمنطقة.
6- إنشاء مدينة متكاملة للسفارات والقنصليات الأجنبية واستغلال مقارها الحالية في إقامة المؤسسات الخدمية وفق الأولويات.
7- إعادة النظر في السن المسموح فيه للمواطن باستخراج رخصة قيادة وليكن لمن يبلغ 22 عامًا، ولولا مراعاتي لردود الفعل السلبية المتوقعة من المجتمع وبالأخص من الشباب المترف الذي قد لا تعنيه المصلحة العامة بالقدر الواجب لاقترحت رفع السن إلى 25 عامًا.
8- تقسيم القطاعات العمالية في مختلف الدوائر الحكومية ومؤسسات القطاع العام وقطاع الأعمال إلى سـتة أقسام، وبحيث يقـرر لكل قسم أحـد أيام الأسبوع كعطـلة رسمية إضافة للعطلة العامة يوم الجمعة، وذلك بالطبع بما لا يؤثر على جودة الأداء أو على المردود الربحي أو الخدمي المستهدف من القطاع ومؤسساته.
9- التوسع في منظومة النقل النهري للبضائع والأفراد.
10- وأخيرًا إعادة النظر في أوجه استخدام المنح المقدمة من المجتمع الدولي (دول ومؤسسات)، وبحيث تكون أولوية استخدامها في إنجاز هذا المشروع أو الهدف القومي، وأخص بالذكر المنح المقدمة لإنشاء الخط الثالث من مترو الأنفاق الذي أعتبره تكريسًا لمشكلة التكدس السكاني والتفافـًا حول العلاجات الجذرية لهذه المشكلة..
------