جهاد كبير أن تقوم ضدَّ الظلم بثورة، وثورة على النفس وثبات على الحق واعتراف به جهاد أكبر، والصبر آية النصر.
عدد كبير وجمع غفير كان في رمضان في قلب المساجد، ولكن هل بقت المساجد في قلوبنا؟! وهل انفضت المساجد أم ما زال المسلمون هناك؟!! أم أن أحوال الأمة حالت بينهم وبين الاستمرار في عبادتهم؟!! وهل هناك أحوال تحول بين العبادة؟!! وكيف يبتعد الإنسان عن ربه ثم يدعوه دعاءً عريضًا بصلاح الحال؟!!
أسئلة كثيرة تزدحم في الذهن مفادها: لماذا لم يثبت من كان في رمضان على الاتصال الدائم بخالقه، وهو الحل لكل ما نحن فيه؟! ولو استرجعنا كبار الحوادث في رمضان؛ لعلمنا أنها بفضل الله والاتصال به تم النصر، وكأن ضريبة النصر هي مجرد الاتصال الجاد بصاحب النصر؛ وما النصر إلا من عند الله.
كان الناس في رمضان أفواج تائبين، تحط رحالها على أبواب المساجد، كم دموع تُزرف! وكم حسرات تُراق! وكم ندم يسكب! وجلابيب بيض ترفرف في الصفوف، وكأنَّ السماء ألقت بفرق الملائكة وكتائبها؛ تبارك المغفرة والرحمة والعتق من النار، وكأني بالملائكة وهي تنادي يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، والكل يراقب في شغف ليلة القدر، ومن الفائز بها، وخطب ومنابر وتراويح وقيام وتهجد وصدقات وبر... ومع كل هذا الخير ما يلبث الناس إلا أن يردوه في أول طلوع شمس من شهر شوال، كأنَّ الناس يقولون لرمضان: سلام أنت حتى مطلع العيد، شيء غير متوقع أن يترك الجائع زاده وهو أحوج الناس إليه، كيف يترك الناس زاد التقوى بعد رمضان وهم أحوج الناس إليه؟!!!
قد يظن الناس أن المسجد حبس عن العمل والحياة، ولكن هو الحياة لا غيره، فالسمكة التي تظن أن هواء البر أكثر من هواء البحر؛ فتخرج طمعًا فيه؛ إنها تبحث عن حتفها، فليلزم كل مخلوق بحره، وما خُلق الجن والإنس إلا للعبادة.
كان الناس كنبات أخضر؛ ما لبث بعد رمضان أن أضحى حطب الحياة اليابس؛ لأنه فقد النبع الحقيقي للحياة وهو الاتصال الروحاني بالخالق عز وجل.
كان الناس الغيث وبعد رمضان جفت منابعهم، وقصرت نفقاتهم، وأطلقوا ألسنتهم في أعراض الناس، وتوقفت ألسنتهم عن ذكر الله، وأُغلقت المصاحف إلى عام قادم، ومن يضمن قدومه من بني البشر؟!!! فكم من رمضان شهدناه، ولكن كم رمضان سيشهد لنا؟!!! وأي الشهور سيشهد معه؟!! وهل العبادة في رمضان فحسب؟!!
أسئلة كثيرة أطرحها لك؛ لأني أريد أن توقظ شيئًا في عقلك وهو: أن تكون ذا مبدأ، لا تتغير بمجرد أن تدير وجهك، أو يدير شهر رمضان وجهه، لا تكن ذا وجهين: وجه لرمضان ووجه لباقي العام، لأنَّ الرب واحد، ولا يقبل منك إلا دينا واحدًا وقلبًا واحدًا ثابتًا على الإسلام والعمل الصالح الدائم لا قلبًا متغيرًا بتغير الظروف.
اعلم أنَّ الثبات على الطاعة لهو علامة النصر على النفس والشياطين بأنواعها، ولأنَّ الشيطان ضعيف؛ فإنِّه يتحول عنك لثباتك إلى من هو أضعف منك؛ لأنه يعلم إذا ثبت المؤمن فلا رادَّ له، ولقد أمرنا الله تعالى بالثبات حين نلقى العدو؛ والعدو الآن أنواع متنوعة: نفس وأهواء وشياطين، وفئة من الشهوات أراها لا تقل ضراوة عن فئة الأعداء، وقد خرجنا من رمضان من الحصن الحصين إلى ميدان الحياة، ومعنا تعاليم القائد المُظفَّر رمضان لا نحيد عنها؛ وإلا ما فائدة تلك التعاليم؟ وما فائدة تذللنا مع ذلك القائد في وقت قدومه إذا ألقينا بتعاليمه عرض الحائط؟!!!
فمن كان يعبد شهرًا رحيلاً؛ فإننا نعبد باقيًا رحيمًا، ومن كان يعبد رمضان؛ فإن رمضان قد ولَّى، ومن كان يعبد الله، فإن الله قد تعالى، تعالى عن أن ننساه، وعن أن نعبد سواه، هلك عبد الدرهم والدينار بعد رمضان، من شغلتهم الدنيا عن الذكر الذي كانوا يذكرونه في رمضان، وكأنهم في غير رمضان يسبحون بحمد ربحهم، ويستغفرون من خسارتهم، وعلى رمضان فلتبكِ البواكي.
ماذا لو استمر القرآن، ولو كان جزءا يُتلى لكل يوم؟!! وما أدراك ما ركعتين لله في جوف الليل تخلو وحدك بملك الملوك؟! وماذا لو أبقيت لسانك ذاكر لله؟! لا يكلفك ذلك شيئًا، ولا يعرف السوء من القول إليك سبيلاً، ويهديك الله إلى الطيِّب من القول والسداد فيه؛ وتكن من الراشدين، ولا تنس أن الصوم ممتد طوال العام لا في رمضان وحده، فصم يومًا شديد حره؛ يقيك الله حر يوم النشور، ولنصل الأرحام التي بها نُسأل، ولنصلح بين المسلمين، ولنستشعر روحانية رمضان دومًا، ولنحارب النفس سننتصر ونظفر بالجنة، ولنحارب الشيطان سننتصر ونرث فردوسها الأعلى.
إن الدين حق، وإن العمل الصالح حق، والثبات على الحق أول علامات النصر، إن العدو إذا رأى من عدوه ثباتا؛ شك في نفسه، ودب فيه الخَوَر، كذلك الثبات في الدين يُقوي بعضه بعضا، ويُضعف كيد الشيطان؛ فلا يجد إلى المؤمن سبيلا؛ فيتركه إلى غيره، أما المتردد فهو ألعوبة كل ضعيف، ووسيلة الشيطان لكل فتنة؛ فيصنع منه حطب جهنم؛ ومن ذا الذي يرضى لنفسه أن يكون ألعوبة في يد الضعفاء والعصاه والشياطين، أو حطبة تُلقى في النار؟!!
فليصبر كل مؤمن وليثبت على الحق الذي عرفه، وليذكر الله كثيرًا؛ فهذا ضريبة النصر.
ولنعلم أن محطة الوقود تعطى الوقود ليغذى السيارة على طول الطريق لا ليملأ الخزان ثم يُغلقه عن محركاتها، كذلك رمضان هو محطة العام التي يستمد العام كله خيره وقوته ووقوده منه، ومن أغلق وقوده عن محركاته؛ توقفت حركته وحياته، فلا يلومنَّ إلا جهله.
وكما أننا نخزِّن طول العام أطعمة لرمضان؛ فلنأخذ من رمضان روحانيات لطول العام، وتقبل الله منا ومنكم.
--------------
* مدرس بمدارس الدعوة بسوهاج