دعا بعض المعارضين إلى "ثورةٍ" يوم 24 أغسطس 2012م لإسقاط الإخوان وحزب الحرية والعدالة و"تطهير" مصر منهم، ومن حكمهم، بل ذهب بعضهم إلى التفكير فيما بعض إسقاط الرئيس مرسي والإخوان، فاقترح تشكيل مجلس رئاسي يكون ضمنه الرئيس مرسي ووزير الدفاع السيسي!

 

وجاء اليوم الموعود مؤْذنًا بفشل لم يسبق له مثيل؛ حيث كانت أعدادهم لا تتجاوز الألف متظاهر في أماكنها المتعددة، وانطلقت العبارات الساخرة هنا وهناك، وبخاصة على شبكات التواصل الاجتماعي: "فيسبوك" و"تويتر" بما يعبر عن قدرة الشعب المصري على الإبداع والتميز في السخرية اللاذعة التي تدع القارئ منبطحًا على ظهره من كثرة الضحك، وكتبت الصحف في يومها التالي عناوينها الرئيسة معبرة عن فشل "الثورة" المزعومة، وسقوط أشباحها إلى الأبد!

 

ولكن هل يعني ذلك موت المعارضة في مصر؟ وهل هذا في صالح الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة؟ وهل ضعف أو موت المعارضة في مصر في صالح مصر والحالة السياسية والثقافية فيها؟ وللإجابة عن هذا نسجل الملاحظات الآتية:

 

أولاً: ما جرى في 24 أغسطس لا يعبر عن المعارضة كلها في مصر، بل عبر عن معارضة غير شريفة وغير وطنية وغير ديمقراطية، فالمعارضة الشريفة والوطنية والديمقراطية يجب أن تحترم نتائج صناديق الانتخابات واختيار الشعب، وإذا أرادوا التغيير فمن خلال الصناديق في دورات قادمة، أما المعارضة الحقيقة- وهي ضعيفة كذلك- فلم تشارك في هذا الحدث، وتباينت أسباب عدم المشاركة، فمنهم من لم يشارك لقناعته بأن هذا ليس من الحرية والديمقراطية، وليس من شرف الخصومة مع المعارَضين، والبعض الآخر تنبأ بفشلها لانكشاف ظهورهم بعد قرارات الرئيس التي أطاحت بهذه الظهور متمثلةً في المجلس العسكري وقادته الكبار!

 

ثانيًا: أنَّ هذا اليوم كشف عن زيف الفريق الأول من المعارضة، وتمخض عن ترهلهم وضعفهم، ولفْظ الشعبِ لهم، حتى إنَّ أهالي مدينة العباسية بالقاهرة سبُّوا من شارك في هذه المظاهرات واشتبكوا معهم؛ كرهًا لفعالهم ورفضًا لما قاموا به، وفي هذا سقوط لهذا الفريق إلى الأبد ما لم يعدِّل مساره ويغير فكره؛ إيمانًا بالدولة الوطنية وما يتعلق بها من معانٍ.

 

ثالثًا: أنَّ المعارضة التي تقف في وجه النتائج الحرة لصناديق الاقتراع لا يصح لها عقلاً ولا واقعًا ولا سياسة ولا كياسة أنَّ تنشغل بالهجوم على الإخوان وحزب الحرية والعدالة لدرجة تشغلهم عن بناء معارضة حقيقية ينافسون بها ويفوزون إنْ قبلهم الشعب، ويعملوا على بناء قاعدة شعبية يستطيعون من خلالها أنَّ ينافسوا ويصلوا للسلطة، ولو أن جهودهم في الهجوم على الإخوان وحزبهم بُذِلَ نصفُها في بناء معارضة حقيقية لكان أفضل لهم وللحركة الوطنية والسياسية في مصر.

 

رابعًا: لا يصح للإخوان ولا للحرية والعدالة أن يعبروا عن فرحتهم الغامرة بهذا الذي جرى يوم 24 أغسطس، وألا تخرج منهم أو من بعضهم عباراتٌ تعبر عن بسط السلطان أو فرض السيطرة دون منازع، بل عليهم أن يتواضعوا وألا يحملهم هذا على تضخم الأنوف واحتقار الآخرين!

 

خامسًا: يجب ألا يحسب الإخوان والحرية والعدالة أن ما جرى في صالحهم، أو سيبسط سيطرتهم بأمان وسلاسة في مصر، وأن الحالة السياسية في مصر لن يكون فيها إلا هم، ولن يلعب فيها غيرهم، بل إن وجود معارضة حقيقية في مصر لهي في صالح الإخوان وفي صالح الحرية والعدالة وفي صالح مصر كلها، فإن الضدَّ يُظْهرُ حسنَه الضدُّ، وبضدها تتميز الأشياءُ، كما قال الشعراء.

 

وأخيرًا فإن على المعارضة في مصر إذا أرادت أن تشق طريقها نحو معارضة فاعلة، ونقد بناء لصالح مصر وخير مصر أن تبني نفسها، وأن تكف عن المهاترات والممارسات الرعناء وسوء الأدب والخروج عن الأخلاق والموضوعية، وأن تنشئ أحزابًا وقوى حقيقية تستقطب بها قاعدة شعبية عريضة تستطيع أن تنافس بها على ما تشاء... ومن ناحية أخرى على الإخوان وحزب الحرية والعدالة أن يُسْهموا في تقوية المعارضة، ويمدوا إليها يدهم، ويساعدوها حتى تكون معارضة قوية تعمل لصالح مصر ونهضة مصر.. وعلى الجميع أن يحترم صناديق الانتخابات على كل مستوى، وأن يبادر بما يحقق مصر القوية الناهضة الرائدة.

-------------

* رئيس مركز بناء للبحوث والدراسات