- أم المصريين.. البلطجية يكملون مشاجراتهم داخل المستشفى
- الدمرداش.. الأمن يشاهد من كرسيه الضرب والاعتداء
- عين شمس التخصصي.. وصول قوة من الكتيبة المجاورة مستحيل
تحقيق: الزهراء عامر، يارا نجاتي
"عايزين حماية وتأمين علشان نحمي المرضى ونستقبل الحالات".. هذه هي الصرخات التي أطلقها موظفو الأمن وأطباء الطوارئ في المستشفيات الحكومية والتخصصية بعد تعرضهم لأعمال بلطجة واعتداءات لمرات كثيرة بعد الثورة من قبل البلطجية والخارجين على القانون.
حيث حرمت هذه الأحداث مئات الحالات الحرجة من تلقي العلاج السريع، بعد إغلاق مبني الاستقبال والطوارئ ورفض الأطباء استقبالهم؛ خوفًا من تكرار أعمال البلطجة بعد إصابة بعضهم، مكتفين بتحويل الحالات إلى مستشفى قصر العيني الذي لم يسلم أيضًا من هذه الاعتداءات.
(إخوان أون لاين) أجرى جولة في بعض المستشفيات للاطلاع على وضع أقسام الطوارئ والاستقبال، وكانت الملاحظة المشتركة بين كل المستشفيات هي وضع لافتة على باب الاستقبال "مغلق لحين الانتهاء من أعمال الترميم"، لكن بمجرد سؤال العاملين بالمشفى يؤكدوا أن الإغلاق بسبب الاعتداءات المتكررة على الأطباء، وعلى أفراد الأمن التي لا تتوقف.
أم المصريين
بداية جولتنا كانت في قسم الطوارئ بمستشفى "أم المصريين" بالجيزة؛ حيث وجدناه مغلقًا، حتى إن مبناه القديم لا يوحي بأنه مبنى الطوارئ، الأبواب مخلوعة والحوائط قديمة ومشققة والظلام الدامس يملأه، يخلو من أي وجود باستثناء اثنين من العمال ومدير الاستقبال يجلس في مكتبه.
أم أحمد "دنيا" إحدى العاملات بالمشفى، هي التي فسَّرت لنا السبب الحقيقي لإغلاق قسم الطوارئ، مؤكدةً أن الإغلاق الأخير للقسم كان قبيل شهر رمضان الماضي بأيام قليلة، بعد حادثة اعتداء أهالي أحد المرضى على الأطباء ورجال الأمن، والتي انتهت بوفاة الطبيب الأسبوع الماضي متأثرًا بجراحه.
وبدأت الواقعة مع وصول حالةٍ إلى قسم الجراحة تحتاج إلى أشعة على الجمجمة بشكل سريع، وعندما أخبر الطبيب الأهل بعدم توافر الجهاز اللازم لذلك وطلب منهم سرعة نقل الحالة إلى قصر العيني لإجراء العلاج المناسب لها حيث تتوافر كل الإمكانات التي تحتاجها الحالة، رفضوا نقلها واعتدوا على الطبيب ورجال الأمن بالأسلحة البيضاء.
وتوضح أم أحمد أن الفترة الحالية هي الأطول لإغلاق القسم؛ حيث تكرر إغلاقه خلال الفترة الماضية عشرات المرات لمدة لا تتجاوز يوم أو يومين على الأكثر، ثم يقرر الأطباء إعادة فتحه مرةً أخرى من جديد؛ لكن هذه المرة لن يتم فتحه لحين تحسن الوضع الأمني.
وتقول إن المستشفى لم تعد تقبل أي حالة وتحول كل ما يصل إليها إلى مستشفى قصر العيني فورًا مهما بلغت خطورتها إلا الحالات التي تحتاج لعناية نظرًا لتخوف الأطباء والعاملين من تكرر الاعتداءات عليهم.
شرطي واحد
ويؤكد أحمد (عامل الأسانسير بالمبنى) كلام أم أحمد، قائلاً إن إدارة المستشفى بدأت في تطوير وترميم المبنى القديم بعد حادثة الاعتداء معلقةً بذلك أعمال الاستقبال والطوارئ لحين استقرار الحالة الأمنية.
ويقول إن حوادث الاعتداء على الأطباء والعاملين في المستشفى زادت بنسبة كبيرة بعد الثورة؛ حيث اقتصر الوجود الأمني على أمين شرطة واحد- إن وُجد- يجلس لمشاهدة أي اعتداء يحدث دون تدخل، مرجعًا سبب استمرار هذه الحوادث إلى ضعف التأمين أمام وداخل المستشفى.
عودة الأمن
يوضح الدكتور أمير زهران مدير الاستقبال والطوارئ بمستشفى أم المصريين أن شدة وعنف الاعتداء الأخير جعل العمل صعبًا وغير آمن لأي فرد من العاملين بالمستشفى وخاصة الأطباء.
ويرى أن السبب الحقيقي وراء تطور وزيادة هذه الاعتداءات إلى أن الأوضاع قبل الثورة كانت منضبطةً بسبب الانتشار الكثيف للأمن، أما بعد اختفاء الأمن من كل مكان أصبح من السهولة أن يعتدي أي شخصٍ على الآخر دون محاسبة.
ويقول إن المشكلة الأخيرة في نهاية شهر أبريل الماضي كانت استكمال لمشاجرة بدأت خارج المستشفى، وأراد المعتدون استكمالها مع المريض الذي وصل إلينا داخل المستشفى فراح ضحيتها أحد العاملين في المستشفى وإصابة آخرين!!.
ويؤكد أنه لا بديلَ لإنهاء هذه الأزمة المتكررة عن أداء كل فردٍ عمله على أكمل وجه، فيقوم الطبيب في علاج المرضى بحسب طبيعة وظيفته، بينما يقوم ضباط الشرطة بالتأمين والحماية التي توقفوا عنها من مدة طويلة، قائلاً: كلما أبلغنا الشرطة عن أي حادثة داخل المشفى يردون بأن الخدمات قليلة ولا يوجد أفراد كافين لإرسالهم إلينا؛ ولذلك قررنا التوقف.
الدمرداش
![]() |
تكسير زجاج طوارئ "الدمرداش" |
وكانت محطتنا الثانية في طوارئ مستشفى الدمرداش التي وجدنا أبوبها الحديدية مغلقة تماماً ومحاطة بأقفال وجنازير تظهر من خلفها ظلمة المشفى، وعلى الجانبين يظهر التكسير الذي طال زجاج وأثاث مبنى الاستقبال.
ويؤكد أشرف محمد مساعد تمريض بمستشفى الدمرداش أن مبنى الطوارئ بكل أقسامه مغلق منذ أكثر من أسبوعين، بعدما تعرَّض طبيب في قسم الجراحة ومعه مجموعة من أمن المشفى للاعتداء بالأسلحة البيضاء أودى بحياته، من قِبل أهل مريضة تُوفيت من جرَّاء إصابتها بطلق ناري.
ويقول أشرف عن الحادث كل ذنب الطبيب المقتول بعدة طعنات في جسده، أنه قال "طب ليه؟" عندما طلب منه أهل المتوفاة عدم ذكر سبب الوفاة وأن يكتب أنها طبيعية.
ويضيف: "لطالما رأينا أمين الشرطة يجلس على كرسيه في مدخل المبنى دون حراكٍ لمتابعة فيلم الضرب الذي نتعرض له بشكلٍ دوري، كما يمتنع أفراد الأمن الداخلي بالمستشفى عن الدفاع عن أي طبيبٍ أو عامل يتعرض لاعتداء من أهالي المرضى، بعد حصول أحد زملائهم على حكم بالحبس لمدة 3 شهور لقيامه بعمله وضربه أهل أحد المرضى لإبعاده عن طبيب بالمشفى.
وتؤكد أماني السيد "العاملة بمبنى الطوارئ" تعرض المبنى للتكسير بالكامل عدة مرات دون تدخل أي فرد من الأمن لإخراج المعتدين أو محاولة إبعادهم، قائلةً: بعد الثورة أصبحنا نتعرض لمواقف صعبة، وصار من السهل ضرب أفراد الأمن أنفسهم إذا حاولوا توجيه الأهالي إلى المكان الصحيح أو القسم المناسب لحالته
م.
عين شمس
![]() |
أبواب "الدمرداش" مغلقة بالجنازير |
وكانت المحطة التالية طوارئ أحدث المستشفيات التي تعرَّضت لاعتداء أدَّى إلى عدم قدرة الأطباء أو العاملين على ممارسة عملهم وإغلاق استقبال أي حالات طارئة، بعدما كان المشفى الوحيد الذي يستقبل الحوادث والحالات الطارئة دون انقطاعٍ منذ أحد ثورة 25 يناير 2011، وهي طوارئ مستشفى "عين شمس التخصصي".
فيما رفض أفراد الأمن الحديث إلينا، قائلين: "لا يمكن أن نثق في أحد، فالجميع يبدو عليهم الهدوء في البداية وعندما يُخبرهم الطبيب أو الممرض بعدم توفر أحد الأدوية أو الخدمات يتغير تمامًا ويبدأ في الضرب والسب".
وكانت الحادثة الأخيرة يوم الأربعاء الماضي قد أدَّت لإصابة 3 من أفراد الأمن أحدهما بارتجاجٍ في المخ من الدرجة الثالثة، وآخر أُصيب في كتفه، والثالث دخل في غيبوبة، إلى جانب طاقم الأطباء والتمريض بالمشفى.
ويقول عمرو عبد الناصر مسئول العلاقات العامة بالمشفى: إن السبب وراء الاعتداء الأخير هو وصول مريض مع مجموعةٍ من أهله تتعدى الخمسين شخصًا، الذين بدءوا في ضرب طاقم الأطباء وأفراد الأمن بمجرد أن طلب منهم الطبيب الخروج من غرفة الطوارئ إذ لا يمكنه العمل مع وجود هذا العدد الكبير، خاصةً أن المريض الذي جاءوا معه كان يعاني من مشاكل في التنفس.
ويتابع: فبدأت النساء في ضرب الممرضات، وأخذ الرجل في الاعتداء على الأطباء وأفراد الأمن، مؤكدًا أن هذه لم تكن الحادثة الوحيدة التي يتعرض لها العاملون بالمشفى خلال السنة الماضية.
ويضيف أن إحدى الحوادث وقعت لدى حضور مريض مصاب بحروق كبيرة طلبنا منهم نقله إلى مستشفى الدمرداش القريبة على بعد 10 دقائق لأن بها قسم كامل ومتخصص في علاج الحروق بينما مستشفى عين شمس ليس بها قسم للحروق فرفضوا وانهالوا ضربًا على الطبيب.
![]() |
أحد ممرات المستشفى بدون حراسة |
ويضيف أن حالةً أخرى قدمت إليهم في نهاية شهر رمضان الماضي ونظرًا لعدم وجود مكان لاستقبالها طلب الأطباء من أهلها سرعة نقلها إلى أقرب مشفى لإسعافها سريعًا؛ لكنهم لم يقبلوا وقرروا ضرب العاملين حتى لو تأخَّر علاج حالة مريضهم، ومرةً أخرى أصيب طبيب وكسر عليه أهالي المريض زجاج الباب أدَّى لجرحٍ غائر في الرأس والوجه.
ويرجع عمرو هذه الحالة التي وصلت إليها المستشفى إلى سحب قوات الجيش للحراسة التي كانت وضعتها منذ ثورة يناير داخل المستشفى في شهر مايو الماضي دون إبداء السبب، مضيفًا: وعندما طلبنا من الكتيبة المجاورة لنا القدوم لحماية المرضى والعاملين بالمشفى ندخل في متاهة من الإجراءات التي لا تصل بنا لشيء".
ويشدد على أن الحل الوحيد لانتهاء هذه المشكلة من كل المستشفيات هي التأمين الجيد وفقط، مدللاً على سوء التأمين بوقوف بعض أفراد الداخلية على أبواب المشفى دون أن يحملوا أي سلاحٍ فلا فائدة من وجودهم، متسائلاً: كيف يمكنهم الدفاع دون مسدس صوت حتى عن المرضى والعاملين بالمشفى!؟


