الصوم فضله عظيم ونفعه عميم، فهو يقوي الروح، والروح إذا قويت ازدادت صلتها بالله رب العالمين، ويحقق التقوى والمراقبة في كل فعل وقول، ويربي الإرادة الذاتية للإنسان، ويوقظ الضمير، ويعرف الإنسان بالنعم، فالمرء إذا تكررت عليه النعم قل شعوره بها، لأن النعم لا تعرف إلا بفقدانها، ويذكره بحرمان المحرومين، ويقوي البدن ويحقق العبودية الكاملة لله رب العالمين. ومن هنا أراد الله عز وجل ألا يحرم العبد من هذه الفوائد وتلك الفضائل، ففرض عليه صيام شهر كامل كل عام، ورغب وحبب وسن صيام عدد من الأيام على مدار العام لكي يحظى العبد بتلك الفضائل السالفة، بيد أن الله عز وجل حرم صيام عدة أيام وكره صيام آخر لحكم عليا..
فالأيام التي يحرم صيامها هي: صيام يوم العيدين- عيد الفطر وعيد الأضحى- وأيام التشريق الثلاثة (وهي ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى، غير أن الأحناف قالوا: لا يحرم صيامها في الحج)، ومن الأيام التي يحرم صيامها، يوم الشك- وهو آخر يوم من شعبان- لأنه قد يكون من رمضان وقد يكون من شعبان، كذلك يحرم صيام المرأة تطوعًا بغير إذن زوجها، أو بغير أن تعلم بكونه راضٍ عن ذلك، وإن لم يأذن لها صراحة، إلا إذا لم يكن محتاجًا لها، كأن يكون غائبًا أو محرمًا أو معتكفًا.
أما الأيام التي يكره صيامها فهي: يوم الجمعة إذا صامه المرء منفردًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده" (رواه مسلم) أما إذا سبقه المرء بصيام يوم قبله أو يوم بعده أو كان من الأيام التي يستحب صيامها كيوم عرفة أو يوم عاشوراء، أو الأيام الست من شوال فلا حرج عليه وترتفع الكراهة. كما يكره إفراد السبت أو الأحد بالصوم؛ إذا لم يكن لذلك سبب من نذر أو نحوه، كأن وافق عادة له، فحين ذلك لا يكره، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا السبت إلا فيما افترض عليكم.." (رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي)، ولأن اليهود تعظم السبت والنصارى تعظم الأحد، ويكره صيام الدهر كله بأن يصوم العام كله - ما عدا العيدين ويوم الشك وأيام التشريق-، ويكره التطوع بصيام يوم وعليه قضاء فرض؛ لأن أداء الفرض أهم من التطوع ومقدم عليه، كما يكره الوصال وهو أن يصوم المرء يومين متصلين لا يفطر بينهما، كما يكره إفراد رجب، وفيما عدا الأيام التي يحرم صيامها والأيام التي يكره صيامها فبقية أيام السنة، أيام يجب صيامها: كشهر رمضان وأيام القضاء والنذر، وأيام يسن ويستحب صيامها: كصيام ست من شوال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله" (رواه أبو داود)؛ لأن من صام رمضان وأردفه بست من شوال فيكون قد صام ستة وثلاثين يومًا وهي عدد أيام السنة، ومن صام هذه الأيام وظل مواظبًا على صيامها في كل عام لقي الله عز وجل يوم القيامة وقد كتب له ثواب صيام العمر كله، والأفضل أن يصوم المرء هذه الأيام متتابعة عند الشافعية والحنابلة.
أما الأحناف فقالوا: تستحب أن تكون متفرقة في كل أسبوع يومان، كما يستحب صيام يومي الإثنين والخميس، فقد كان صلى الله عليه وسلم يواظب على صيامهما؛ ويقول: "إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (رواه الترمذي)، وكذلك يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر عربي- الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر- وهي الأيام البيض، وسميت بذلك لابيضاضها ليلاً بالقمر ونهارًا بالشمس، فعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "كان رسول الله لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر" (رواه النسائي)، ويستحب صيام يوم عرفة- وهو اليوم التاسع من ذى الحجة- للحديث الذي رواه الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوم يوم عرفة يكفر سنتين: ماضية ومستقبلة" (رواه مسلم وأبو داود)، ويندب أيضًا صوم عاشوراء- وهو اليوم العاشر من شهر المحرم- لقوله صلى الله عليه وسلم: "لئن بقيت إلى قابل- أي العام المقبل- لأصومن التاسع" (رواه مسلم) فمات قبله.
ويندب للقادر أن يصوم يومًا ويفطر يومًا وهو أحب الصيام إلى الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا" غير أنه مشروط بالقدرة والإطاقة والاستطاعة على ذلك وإلا فلا..
آخر الكلام قول النبى صلى الله عليه وسلم: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا" (رواه البخاري ومسلم).. فما أحوجنا إلى ذلك!!.
------------
* المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الإسلامية.