تابعت أصداء "الفتوى" التي صدرت إعلاميًّا وقوليًّا لا كتابيَّا من الشيخ هاشم إسلام، عضو لجنة الفتوى بالأزهر، والتي بلغ تأثيرها مدى بعيدًا، وفجرت سيلاً من الردود والتعليقات والتعقيبات، حتى رد عليها مجمع البحوث الإسلامية، أعلى سلطة دينية في مصر، واضطُّرَّت مؤسسة الرئاسة أن تعلق بما يبعد الشبهة عنها، فقررت أن حق التظاهر السلمي مكفول لكن القانون سيطبق على الجميع بمنتهى الحزم.

 

وهي كانت ردًا على من سيقومون بالتظاهر يوم 24 أغسطس 2012م لــ "تطهير" مصر من الإخوان المسلمين، وإسقاط الرئيس محمد مرسي، وترددت أنباء هنا وهناك على أنهم استأجروا "بلطجية" لإحراق وتدمير مقرات الإخوان، والعبث بأمن المجتمع، وتمَّ القبض على بعضهم ـ بحسب تصريحات د. محمد سعد عليوة في برنامج "سياسة في دين" على قناة الجزيرة مباشر مصر يوم 28 رمضان 1433هـ مع د. صفوت عبد الغني، وهذا كان مقدمة لإحداث الفتنة والفوضى في المجتمع يترتب عليها الانقلاب على الشرعية وعلى الرئيس المنتخب محمد مرسي، لولا أن استبق الرئيس ذلك بقراراته المذهلة التي جعلت الكثيرين يتراجعون عن المشاركة في هذا اليوم، بل أعلن الكثيرون أنهم لن يشاركوا فيها؛ لأن قرارات الرئيس كشفت ظهورهم، وأطاحت بمن كانوا يحتمون بهم، ومن مظاهر ذلك أن انقطاع التيار الكهربائي، الذي كان مشكلة شعبية أغضبت الشعب على الرئيس كما هو مخطط لها، أصبح معدوما أو يكاد.

 

ومن المعلوم أنَّ الفتوى التي تقال صوتيًّا غير التي تقال كتابيَّا تحريريًّا، فالتي تطلق على الهواء تكون متعجلة غير مفصلة ولا مبيَّنة، وربما اختلط فيها الحق بالباطل، ويحدث فيها لبس شديد يفضي إلى تحقيق غير المقصود منها والإساءة إلى الفتوى والمفتين، بل الإساءة إلى الدين نفسه أحيانا.

 

ومن المعلوم أنَّ الحديث في دماء الناس أمر له خطورته البالغة؛ لأن الدماء المعصومة حرام لا تحل إلا بنص ظاهر لا يحتمل التأويل، وقد روى البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة". والذي يقوم على ذلك الدولة بمؤسساتها وسلطاتها المعنية سواء كانت سلطة قضائية أو تنفيذية.

 

ولا شد أن مصر تمر بمرحلة صعبة تحتاج معها إلى الحزم في التعامل مع الخارجين عن القانون سواء من يقطعون الطرق، أو يعطلون عجلة الإنتاج، أو يقفون حجر عثرة أمام الخدمات اليومية للشعب كمن يقفون وراء قطع الكهرباء أو المياه، فضلاً عمن يثيرون الفتن، ويريدون الانقلاب على الشرعية الحقيقية التي منَّ الله بها على مصر لأول مرة في تاريخها، سواء في انتخابات المجالس النيابية أو انتخابات الرئاسة.

 

أما إهدار دم المتظاهرين فلست معه ولا أقبله، هكذا على عواهنه؛ وذلك لأمرين: الأول: أنَّ حق التظاهر السلمي ـ وأقول "السلمي" ـ مكفول لا يمكن لأحد أن يمنعه حتى لو كان الرئيس نفسه، وبخاصة أننا في أعقاب ثورة كُتب لها النجاح؛ لسلميتها، وطهارة يدها، ونقاء من قام بها، وشرف غاياتها ومقاصدها. والأمر الثاني: أنَّ إهدار الدماء أو التعامل بحزم مع الخارجين عن القانون أو مثيري الفتن لا يكون بين أفراد الشعب، وإنما يترك للسلطة القضائية متمثلة في وزارة العدل، والسلطة التنفيذية متمثلة في وزارة الداخلية، والجيش بشكل مؤقت، فهؤلاء هم المنوط بهم مواجهة أو خروج أي فرد على القانون، والتعامل مع مثيري الفتن بكل حزم، وإلا صار الأمر فتنة بين الناس، والفتنة أشد من القتل.

 

ما لفت نظري في ردود الأفعال هي حلقة "سياسة في دين" يوم الجمعة 29 رمضان 1433هـ على قناة الجزيرة مباشر مصر التي استضافت صاحب "الفتوى" الشيخ هاشم إسلام، ود. عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية.

 

وساءني جدًا أسلوب د. النجار الذي جاوز كل حدود النقاش والحوار في آدابه وطبيعته التي يجب أن تكون، وتحولت الحلقة مما ينبغي أن تكون عليه من أدب في الحوار وتركيز على الموضوع وتفنيده بهدوء وموضوعية إلى التجريح الشخصي والسباب وإلصاق التهم والتلفظ بألفاظ أربأ بأي متخصص له سبب بالشريعة والفقه أن يتفوه بها، وإذا افترضنا أن هاشم إسلام أخطأ خطأً قطعيًّا في فتواه؛ لأنها كانت على الهواء ولم يحررها جيدًا، فإن هذا لا يسمح للنجار أن يصل في حواره إلى هذه الدرجة من الإسفاف واستخدام الألفاظ الخارجة التي تجاوزت الحوار الموضوعي المؤدب إلى التجريح الشخصي!

 

حيث وصف ما قاله هاشم بأنه تزلف "رخيص" للرئيس، وأن هاشمًا يعاني من تفكير وعقل مضطرب، ويعاني من "انتفاخ" في الذات، وأنه "تلميذ" لا يحق له أن يتكلم قائلا ًله: "من أنت"، وأن شيخ الأزهر د. أحمد الطيب الذي يهاجمه الشيخ إسلام لو قابله لـ "لثم" إسلام يده، ورأسه وقدميه، إلى آخر هذا الكلام الذي أعتبره وصلة "ردح" لا علاقة لها بالموضوع، ولا صلة لها بالعلم وأخلاق العلماء.

 

إن هذا المستوى الأخلاقي المتردي في الحوار لا يسيء لصاحبه فقط وإنما يسيء لمجمع البحوث الإسلامية نفسه، ويعزز الرغبة في البحث عن قانون إصلاح الأزهر، بما فيه هيئة كبار العلماء التي ينبغي أن تكون بالانتخاب، ومنصب شيخ الأزهر الذي يجب أن يتم اختياره من بين أعضاء الهيئة المنتخبة، لا أن يختار هو هيئتهم، ثم ينتخبوه شيخًا!.

---------------

* رئيس مركز بناء للبحوث والدراسات