أتت القرارات الرئاسية الأخيرة التي أصدرها الرئيس محمد مرسي لتثبت للجميع أنه قد أصبح لدينا بفضل الله رئيس وزعيم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فبعد عدة أيام من توليه منصبه في ظلِّ أجواء وتحدياتٍ لا تخفى على أحد، فاجأ الرئيس الجميع بمجموعةٍ من القرارات الحاسمة التي صحَّحت مسار الثورة بل ومصر كلها.

 

فبعد عشرات السنين من الحكم العسكري وآمال البعض من استمراره لسنوات أخرى، بل وصل الأمر بالبعض لمحاولة جعل الجيش دولة فوق الدولة وفوق الدستور والقانون والشعب وما وثيقة السلمي منا ببعيد، جاءت القرارات لتضع الأمور في نصابها وليعود الجيش إلى موضعه الطبيعي في حماية الحدود والأمن القومي للبلاد، ولا يتدخل بصورةٍ من الصور في السياسة ودهاليزها وحيلها.

 

لقد أثبتت قرارات الرئيس محمد مرسي الأخيرة العديد من الحقائق الجوهرية، منها أنه أصبح لدينا زعيم وطني من طراز فريد يعمل وبجد على ترسيخ مفهوم دولة المؤسسات واحترام القوانين المنظمة لها، والفصل بين السلطات، ولقد أثبتت الأيام والأحداث الجسام أن رئيس الدولة لا بد أن يكون قويًّا ومهابًا بقدر ما يتمتع به من دعم القاعدة الشعبية الواسعة له، وملكاته وقدراته الشخصية، وليس بالضرورة أن يستمد قوته من القوات المسلحة أو قوى الأمن. والأهم أن يتصرف الرئيس بصدق وأمانة وموضوعية وفق متطلبات منصبه كرئيس للشعب كله.

 

بيد أني أعتقد أن قرار الرئيس بفرض كامل السيطرة المصرية على كل ذرة ترابٍ من سيناء ومتابعته الشخصية لإنهاء كل أشكال المظاهر المسلحة غير القانونية في سيناء، والتي نتجت عن سنوات التجريف والفساد التي عاشتها مصر طوال عشرات السنين السابقة، هو القرار الإستراتيجي الذي يبرز معنى سيادة الدولة المصرية على أراضيها، فلأول مرةٍ يدخل الجيش المصري لهذه المناطق وللعريش على وجه الخصوص لأول مرة من عام 1967م.

 

وهو بذلك عالج نقص السيادة المصرية على سيناء الذي فرضته نصوص معاهدة "كامب ديفيد"، وما نتج عنها من ضعف الوجود المصري في سيناء مما أسس لحالة من التسيب والانفلات جعلت المنطقة خارج السيطرة الأمنية.

 

لقد تعرَّض الرئيس طوال الأربعين يومًا ولا أقول سنة، لحملةٍ من التشويه الإعلامي والضغط الممنهج لإخراجه عن تركيزه ومحاولة تصويره بأنه الرئيس العاجز الذي لا يملك من أمر الدولة شيئًا، وحاول البعض تسويق هذا عبر إعلاميين محددين ووسائل إعلام معروفة بتوجهاتها لتكوين صورة ذهنية خاطئة عن الرئيس للتمهيد لأمرٍ حاولوا تدبيره بليلٍ، ولكن إرادة الله شاءت أن تُبيَّن لنا طيب معدن رئيسنا في لحظةٍ حاسمةٍ من تاريخنا.

 

وأذكر هنا ما سبق وقلته في مقالي "لماذا الدكتور محمد مرسي؟!"، والذي نُشر في شهر مايو الماضي: "ويشهد له كل من عمل معه بصلابته في الحق، وقدرته على مواجهة التحديات برباطة جأش وثبات يثير الدهشة والإعجاب؛ مما يعينه على اتخاذ القرار السليم والمناسب، وهذا ما يستطيعه بكل كفاءة ومهارة، كما أنه لا يقبل الضغوط من أي جهة كانت، وهذا واضح في سلوكه المنتظم في كل الأحوال".

 

وهو ما لم يدركه البعض بل وحاول تشويه صورته بشتى السبل حتى جاءت اللحظة الحاسمة التي عبَّر فيها الرئيس عن نفسه وعن شخصيته بصورة أذهلت زعماء العالم وقادته؛ إذ تمكن في أيام قليلة وبين عشية وضحاها من تفكيك الالتباس القائم في المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام السابق، وإعادة الأمور إلى مجراها الدستوري الطبيعي، وما يرتبط بذلك عمليًّا وهو ما يجري حاليًّا من ترسيخ الأمن الداخلي، وإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية في سيناء وغيرها، وهو ما يمهد للانتقال إلى المرحلة التالية لبناء الاقتصاد الذي هدمه النظام السابق وزبانيته.

 

ولتقوم مصر بدورها القومي الريادي، وبخاصة في هذه الظروف المصيرية التي تمر بها الأمة والعديد من أقطارها، فالدور الذي يليق بقدر ومكانة مصر هو تبني المصالحة بين العرب، والعمل على إطفاء الحرائق في المنطقة العربية، وبذل جهود مضنية لمحاربة عوامل التفرقة والانقسام، والعودة إلى خط التعاون والتسامح والعمل العربي المشترك.. وهو الدور الذي ينتظر مصر لتقوم به.

 

لقد أنهت القرارات على أي حلم باستمرار حكم العسكر، وأصبحت مصر مدنية بحق وفتح المجال أمام المخلصين من أبنائها لاستكمال حلمهم ببناء وطن كريم خال من الظلم والاستبداد، قائم على الحرية والمساواة، يعظم قيمة الفرد ويعلي شأن المؤسسية ويحترم الحقوق ويؤدي الواجبات.

 

وطن يسعى للتقدم والنهوض ومجاراة الدول المتقدمة والسير في ركاب التطور العلمي والنهضوي، وطن تحفظ فيه كرامة الإنسان وآدميته، وطن يغيب عنه الظلم والاستبداد، وطن يكون الرئيس فيه مهمومًا بالشعب وآماله وطموحاته ويسعى لإرضائه لا لاستعباده، وهو ما بدأته قرارات الرئيس الأخيرة.

 

تلك القرارات التي حددت معالم الزعامة الحقيقية، وليست الصورية والتي رسمت خطوط واضحة المعالم للرئيس الذي يغلب مصالح الوطن وينتصر لها مهما تكن العقبات، لبناء وطن حر كريم نسعد في ظله جميعًا. وهو ما افتقدناه لفترات طويلة من تاريخ مصر حتى أنعم الله علينا برئيسنا "مرسي" ليعطينا المثل والقدوة في كيفية قيادة الرؤساء للدول في هدوء وثقة وحزم وحسم وحب ومودة وألفة، حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها من كل سوء ومكروه.