حدثٌ نادرٌ سيتوقف التاريخ أمامه طويلاً، وسيسجِّله في أنصع صفحاته؛ لأنه يدشِّن عهدًا جديدًا وفريدًا في مصر.. عهد السلطة "المدنية" الكاملة التي تحكم البلاد بعيدًا عن هيمنة "العسكريين" لأول مرة في تاريخ مصر، ولن ينسى الشعب المصري على امتداد تاريخه يوم الأحد الرابع والعشرين من رمضان 1433هـ، الموافق 12/8/2012م، يوم إصدار الرئيس "محمد مرسي"، أول رئيس مدني منتَخَب في تاريخ مصر، قراراته الثورية بإقالة رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع، ورئيس الأركان، وإحداث تغييرات كبيرة في قيادة القوات المسلحة، وإلغاء "الإعلان الدستوري المكمِّل" الذي خطف من الرئيس كثيرًا من صلاحياته، واستحوذ على السلطة التشريعية.. وقد أصبحت مصر بهذه القرارات الثورية محكومة برئيسها المنتَخَب، وتفرَّغ العسكريون- لأول مرة- لمهمتهم الأساسية؛ وهي حماية حدود البلاد وأمنها.
أعتقد أن هذه القرارات لم تدفع إليها مجزرة جنودنا في رفح وإن كانت قد وفرت الأجواء المناسبة لصدورها وإنما جاءت وليدة برنامج متكامل واضح المعالم وضعه وأنضجه نظام الحكم الجديد ويدرك أبعاده ويعرف خطواته ومراحله ويمتلك من الموهبة والقدرة على تنفيذه. فلم يعرف عن شخصية الرئيس محمد مرسي اتخاذ القرارات بردود الأفعال فهو من خلال سيرة حياته يتبين أنه صاحب عقلية مرتبة جيدة يعرف صاحبها ما يريد جيدًا.. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن جماعة الإخوان التي قدمت الدكتور مرسي لانتخابات الرئاسة صاحبة تاريخ طويلة وتجربة ثرية مع أنظمة حكم عسكرية وملكية باطشة اكتوت خلالها الجماعة بمحن صهرتها، وخرجت منها بدروس مهمة ومفيدة لا يمتلك مثلها فصيل سياسي في مصر ولا يمكن أن يصدق عاقل أن جماعة الإخوان بتجربتها الثرية على مدى أكثر من ثمانين عامًا يمكن أن تحتفظ لنفسها بتلك التجربة دون دعم للرئيس مرسي الذي من المؤكد أنه استجمع كل ما لديه من مهارات وخبرات مع تجربة جماعته لينطلق بها في حكم مصر، ومن هنا فلا أبالغ في اعتقادي أن قلت أن ما اتخذه الرئيس من قرارات ثورية مؤخرًا يعد رأس جبل الثلج لمنظومة متكاملة من قرارات كل سيأتي في توقيته المناسب ليضع مصر على طريق الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة بحق وفي نفس تصيب الدولة العميقة الغاشمة بحالة من التذويب والتفكك والتبدد في نهاية الأمر رغم ما ستبديه من مقاومة هستيرية، ولكنها ستظل في خانة "فرفرة الكلب المسموم".
أقول إن تلك القرارات الرمضانية المباركة تمثِّل بادرة مهمة لسلسلة من القرارات الثورية الأخرى التي تؤكد "مدنية" الدولة، وتعيد تأهيل مؤسسات الدولة المصرية لتكون قادرةً على النهوض بمصر، والانطلاق بها نحو عصر جديد، لا شك أنها تمثِّل ثورة جديدة بكل معنى الكلمة.. إنها ثورة شهر رمضان المبارك في عشره الأواخر التي أحدثت زلزال التغيير الذي يتعطش الشعب المصري إليه منذ قيام ثورة 25 يناير 2011م.
والمتأمل في تلك القرارات الثورية يجد أنها توجِّه أكثر من رسالة في أكثر من اتجاه:
- الرسالة الأولى موجَّهة إلى "الدولة العميقة" بكل فروعها وقواها من شبكة الفساد والاستبداد التي يحركها زبانية النظام البائد، والتي ما زالت تعيث في مصر فسادًا، وكانت يومًا تستند إلى إمكانية تغاضي المجلس العسكري عن جرائمها، أو مساندته غير المباشرة لها، ومفاد هذه الرسالة اليوم أن يد التطهير ستطولها، وأنها لن تفلت من يد العدالة، وأن الشعب المصري يصطف خلف رئيسه المنتَخَب للقضاء عليها، ولعل تلك الرسالة تكون قد وصلت إلى المتخندقين في الفضائيات يمارسون التزييف والتضليل وتهييج الرأي العام، وإلى بعض رجال القانون الذين انحاز بعضهم إلى مخطط إفشال مجلس الشعب وإسقاطه، ثم التورط في تكرار السيناريو مع الرئيس.. نقول: لعل هؤلاء جميعًا يكونون قد وعوا الرسالة جيدًا، ويتوقفون عن محاولات إعادة مصر إلى العصر البائد، فتلك محاولات يائسة لن يسمح بها الشعب المصري.
- الرسالة الثانية للعدو الصهيوني والغرب عمومًا؛ ومفادها أن مصر في عهدها الجديد مصرة إصرارًا قويًّا على إعادة بناء جيشها على أحدث ما في العصر من سبل البناء، وأنها مصمِّمة على حماية حدودها بقوة، وستردع مَنْ يهدِّدها، وأنها لن تسمح لنفسها بتكرار جرائم النظام البائد الذي كان يتخذ من كل حادثة "شمَّاعة" للهجوم الإعلامي على أهلنا في غزة؛ ثم تشديد الحصار عليهم، ولعل صدور قرار يوم الإثنين الماضي 13/8/2012م بإعادة فتح معبر رفح يقدِّم دليلاً جديدًا على أن مصر باتت في عهد جديد.
- الرسالة الثالثة للجيش المصري ومفادها أن عصرًا جديدًا بدأ نحو إعادة بنائه على أسس حديثة، وأن رأس الدولة ماض في العناية بأفراده تدريبًا وتسليحًا وصحةً وحياة، ليس العاملون في الخدمة فقط وإنما الذين أحيلوا للتقاعد أيضًا، وإن الدولة ممثلة في رئيسها يقدر كل القيادات والجنود؛ وذلك واضح في تكريم الرئيس للمشير ورئيس الأركان.
- الرسالة الثالثة للشعب المصري الذي تجاوب مع تلك القرارات الثورية بصورة منقطعة النظير، وملخصها أن الحكم الجديد يوفِّي بما التزم به يومًا بعد يوم، وبصورة لا تردُّد فيها، وأنه عازم على استكمال مطالب ثورة ذلك الشعب حتى تُحقِّق كل أهدافها في إقامة الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، التي تُوفِّر الخبز، وتكفل الحرية، وتضمن الكرامة الإنسانية، دون سماحٍ بتدخل أي قوى خارجية دأبت على التدخل في الحياة المصرية بصورة قزَّمت الدور المصري وأهانته في كثير من المواقف.
- تلك رسائل مهمة وجهتها قرارات رمضان الثورية، مؤكدةً عزم الرئيس "محمد مرسي" على المضي قُدمًا- بكل جسارةٍ وقوة- في ثورته حتى تتحقق كل أهداف ثورة 25 يناير، وإنه لمنتصر بإذن الله تعالى.
---------------------
(*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية- Shaban1212@gmail.com