* تمهيد:

في حماية البيئة من الفساد والتلوث منافع اقتصادية..

 

فالبيئة الطاهرة والنظيفة تسهم في رفع إنتاجية العامل وزيادة الإنتاجية, وفي ترشيد استخدام مستلزمات العمل والتشغيل, والاستغلال الأمثل للوقت وتقليل الوقت الضائع والمهدر بدون منفعة معتبرة شرعًا, وتقليل الأعطال, وهذا يقود إلى جودة الأداء وضبط التكلفة وتقليل الأسعار وزيادة الربحية.

 

كما أن إعادة تدوير النفايات والقمامة بطرق اقتصادية يسهم في خلق فرص عمل وفي دفع عجلة التنمية الشاملة والمستدامة للمجتمع.

 

ويرى علماء الاقتصاد أن حماية البيئة من التلوث والفساد يخفض مـــــــن تكلفة علاج أمراض التلوث، ومنها مرض الفشل الكلوي والكبدي، وأمراض الإيدز  وغيرها، الناجمة عن التلوث البيئي وتلوث الفاحشة ونحو ذلك.

 

كما أن حماية البيئة ونظافتها تجذب السياح والمستثمرين وفي المشاركة في المعارض التسويقية والمؤتمرات العلمية والسياسية ونحوها، وفي ذلك منافع اقتصادية  وتساهم في التنمية.

 

وتختص هذه الدراسة بدراسة المنافع الاقتصادية لحمـــــاية البيئة ونظافتها من الفساد والتلوث:

* حماية البيئة تساعد على زيادة إنتاجية العامل وأدائه:

يعتبر العامل من أهم عوامل الإنتاج, ويحتاج إلى بيئة طاهرة مــــــن الفساد وخالية من التلوث حتى ينتج ويبدع ويبتكر, وتتنافس الشــــركات والمؤسسات فيما بينها في توفير هذه البيئة لزيادة الإنتاج ورفع مستوى الجودة.

 

ومن متطلبات ذلك توفير عوامل الأمن والأمان والسلم والسلامة للعامل من المخاطر المختلفة، ولا سيما في المشروعات التي تلوث البيئة, وهذا يقود إلــــــــــى سلسلة من  الآثار الإيجابية تنتهي إلى التنمية الاقتصادية.

 

كما يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند دراسة جدوى المشروعات معيار حماية الإنسان بصفة عامة والعامل بصفة خاصة من  مخاطر تلوثها للبيئة.

 

ويؤكد علماء اقتصاديات البيئة أن البيئة الطاهرة والنظيفة تحافظ على نفسية وسلوك العامل، وهذا يحفزه ويدفعه إلى إتقان العمل وتحسينه وتقليل الوقت الضائع وتخفيض الهالك والعادم بما يزيد من الوفورات ويقلل التكاليف.

 

* حماية البيئة تـساعد على ترشيد استخدام مستلزمات التشغيل، وفي ذلك منافع اقتصادية:

حماية بيئة التشغيل من عنابر وورش ومراكز ونحو ذلك يقود إلى الاستخدام الرشيد لمستلزمات التشغيل من مواد خام ومن مواد مساعدة ومـــن قوى محركة وغير ذلك, وهذا بدوره يقلل من الضياع والفاقد ويقود فــــــي النهاية إلى خفض التكلفة وزيادة العوائد وزيادة الربحية.

 

ومن ناحية أخرى فإن إعادة تدوير الخامات المعيبة وإعادة تشغيلها مرةً أخرى يسهم في خفض التكاليف والأسعار وفي ذلك منفعة اقتصادية.

 

كما لا يجوز دفن مخلفات ونفايات التصنيع ونحوها في باطن الأرض؛ لأنها تسبب أضرارًا جسيمةً لأهالي البلدان التي يتم فيها الدفن، وهذا يخالف الأعراف الدولية والأخلاق، ولقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال: "لا ضرر ولا ضرار"، ويعدُّ ذلك من أشكال الفساد في الأرض المنهي عنه شرعًا؛ فقد قال الله تبارك وتعالى: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) (البقرة: 205).

 

* حماية البيئة وتدوير المخلفات يسهم في التنمية الاقتصادية:

تنظيف البيئة من المخلفات وتدويرها للانتفاع منها في مجالات شتى يسهم في التنمية الاقتصادية الإيجابية؛ عن طريق إنشاء مشروعات عديدة تحقق عوائد اقتصادية، ومنها تشغيل عدد من العاطلين على المستوى الإقليمي، ولقد حققت العديد من الدول تقدمًا ملحوظًا من خلال أساليب التقنية الحديثة.

 

ويجب على الحكومات أن تضع حوافز اقتصادية في صورة دعم مشروعات تدوير المخلفات؛ من حيث الإعفاء من بعض الضرائب والرسوم كما تفعل مع مشروعات التصدير.

 

* حمــــاية البيئة تحفز على جــذب الاستثمارات وتنظيم المؤتمرات الدولية وفي ذلك   منافع اقتصادية:

البيئة الطاهرة من الفساد والنظيفة من التلوث تجذب الاستثمارات، وهذا يقود إلى سلسلة من الآثار الإيجابية التي تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية.

 

ويلاحظ أن هناك بعض المشروعات المشروعات الاستثمارية التي تستوجب بيئة خاصة خالية من التلوث البيئي؛ مما يوجب على الأجهزة الحكومية المعنية بالبيئة  إصدار التشريعات اللازمة لذلك.

 

ومما يعوق الاستثمارات التلوث الأخلاقي بسبب الفساد الإداري والمالي، وكذلك تلوث الطرق ووسبل الانتقالات بسبب النفايات والعوادم ونحوها، وهذا يوجب على الحكومات أن تولي الاهتمام الأكبر بتطهير البيئة من ذلك الفساد والتلوث، ويكون ذلك ضمن السياسات الاقتصادية والمالية لجذب الاستثمارات.

 

ومن ناحية يجب وضع قيود على الاستثمارات التي تسبّب أضرارًا بيئيةً، مهما كانت العوائد الاقتصادية؛ فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ونذكر هذا المقام على سبيل المثال الاستثمارات في صناعة الأسمدة والكيماويات ما لم توضع الضمانات لحماية البيئة منها، كما أن البيئة الطاهرة والنظيفة تحفز على تنظيم الندوات والمؤتمرات العالمية وتنظيم المعارض الدولية، وفي هذا منافع اقتصادية.

 

* حماية البيئة تجذب السيَّاح وفي ذلك منافع اقتصادية:

من أسباب جذب السياح طهارة البيئة من الفساد ونظافتها من التلوث بكل صوره، فالسائح يطلب هواءً نقيًّا، ومياهًا صالحةً وطرقًا نظيفةً وآمنةً، وطعامًا نقيًّا من الشوائب، وفنادق آمنة ونظيفة، ووسائل انتقال سهلة وميسرة وآمنة، ونحو ذلك، فإذا تحققت هذه الموجبات انتعشت السياحة، وهذا بدوره يخلق سلسلة من الأنشطة ذات العلاقة بها؛ مما تقود فى النهاية إلى تنمية اقتصادية فعلية في مجال الفندقة والشواطئ والمزارات السياحية ونحو ذلك.

 

وفي هذا المقام يجب أن نشير إلى ضرورة حماية السياح من التلوث الأخلاقي والسلوكي الذي قد يتعرض له من خلال تعامله مع بعض الأفراد في أماكن السياحة، ومن أمثله هذا التلوث الواجب تجنبه: الابتزاز والتدليس والغش والكذب والتسول والجشع وعدم الانضباط في تنفيذ العقود والعهود، ونحو ذلك، وهذه السلوكيات نهت عنها كل الأديان السماوية.

 

* حماية البيئة تخفِّض مــــن تكــاليف عــــلاج مـــرض التلوث وفي ذلك منافع اقتصادية:

البيئة الطاهرة والخالية من التلوث تحمي الإنسان من الكثير من الأمراض الخطيرة والتي تكبِّد المريض والدولة ومؤسسات المجتمع المدني الطبية الكثير من الأموال، ونذكر في هذا المقام بعض الأمراض الناجمة عن التلوث البيئي: مرض السل، أمراض الكبد، أمراض الرئة، أمراض السرطان... علاج هذه الأمراض يرهق ميزانية الأسرة وميزانية الدولة.

 

وكما يقول الأطباء والحكماء: "الوقاية خير من العلاج" لو تم الاهتمام بحماية البيئة من التلوث لتوفرت العديد من المليارات التي تنفق على علاج مثل هذه الأمراض، ووظفت هذه الأموال في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

 

ويرى علماء الاقتصاد الإسلامي أنه لو طبقت القواعد الشرعية المستنبطة من القرآن العظيم ومن السنة النبوية ذات العلاقة بحماية الإنسان من الأمراض التي تنشأ من التلوث البيئي لوفر ذلك الكثير من النفقات التي تصرف على العلاج، ومن هذه القواعد على سبيل المثال:

- لا ضرر ولا ضرار- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح– الضرر يزال– تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة- وسائل الحرام حرام- مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة- كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

 

* حماية البيئة من قطاع الطرق ومن الخارجين عن القانون ونحوهم يحقق منافع اقتصادية:

يدخل في نطاق حماية البيئة أيضًا تحقيق الأمن للناس وحمايتهم من القرصنة والاعتداء على الأنفس والأموال ومن الخارجين على القانون، وهذا مـــــن موجبات التنمية الاقتصادية, وكما يقول علماء الاقتصاد: "لا تنمية بدون أمن" وتأسيسًا على ذلك لا يمكن فصل ملف البيئة عن ملف الأمن وعن ملف الاقتصاد, كما أن الاستثمار يستوجب البيئة الآمنة؛ لأن رأس المال جبان بطبعه.

 

ولقد قرن الله سبحانه وتعالى ملف الجوع بملف الأمن، كما ورد في سورة قريش: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

 

ونخلص مما سبق إلى أن البيئة الطاهرة من الفساد والخـالية من التلوث من موجبات التنمية الاقتصادية، وهـــــــذا يــقود إلى مجتمع فاضل آمن في سربه, معافى  في بدنه , عنده مقومــــــات حاجاته المعيشية, وهذه من مسؤولية الـــــفرد والأسرة والمجتمع والحكومـــة, في ظل ميثاق يقوم على القـيم الإيمـــانية والمثــــل الأخلاقية والمبادئ السلوكية السوية والكفاءة المهنية والحرفية، وهذا هو جوهر الإسلام.

فإلى الإسلام أيها الراغبون في الإصلاح.

فإلى الإسلام أيها الراغبون في التصدي للفساد.

فإلى الإسلام أيها الراغبون في تحقيق الخير للبشرية.

-----------

* الأستاذ بجامعة الأزهر والخبير الاستشاري في المعاملات المالية الشرعية-WWW.Darelmashora.com