أدمى الحادث الإجرامي الغادر والخسيس الذي أصاب أبناءنا وإخواننا في رفح قلب كل مصري، فالشهداء والمصابون هم أبناء كل أفراد الشعب، وهم أولياء الدم لهم مع أهلهم وذويهم.

 

فالجميع مكلوم من خسة الحادث، ويطالب بالقصاص العادل والناجز، وفي مقدمة المطالبين رئيس الجمهورية، الذي عبَّر عن ذلك بوضوح عقب الحادث بساعات قليلة.

 

وكنا نظن أن الحادث سيوحد كل أطياف الشعب وفئاته على اختلاف أفكارهم أو انتماءاتهم أواعتقاداتهم، ولكن أبى بعض الموتورين إلا أن يفسدوا علينا هذا التوحد في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ مصر، وبدلاً من توحد الجهود للبحث عن الجناة ومعاونيهم ومحرضيهم، فإذا بهم يحاولون توظيف الحدث لأغراض مشبوهة والدعوة لإثارة البلبلة في صفوف المواطنين ويلقون بالاتهامات جزافًا في حقِّ الشرفاء من أبناء مصر الذين روو أرض مصر الغالية بدمائهم الذكية.

 

ووصل الحد لأن يهدد أحدهم باغتيال رئيس الجمهورية المنتخب والتحرض على ذلك، ظنًّا منه ومن أسياده بأن الدولة رخوة ولا يمكن لها أن تتخذ قرارات حاسمة في هذه الظروف، ولا بد من وضع القيادة السياسية الجديدة للبلاد تحت ضغط مستمر لئلاً تتمكن من تنفيذ البرامج التنموية المأمولة أو تنفيذ البرنامج الانتخابي الطموح للسيد رئيس الجمهورية.

 

إن المتاجرة بدماء الشهداء هو قمة الخسة والنذالة والحقارة التي يمكن أن يوصف بها إنسان، إذ لو أن هؤلاء حقًّا غيورون على الدماء المصرية فلماذا لم يتحركوا إذًا عندما تم الاعتداء مرات ومرات على أبنائنا في سيناء الحبيبة، في تفجيرات طابا وشرم الشيخ مثلاً، وأين كان صوتهم عند مذبحة الأقصر وغرق العبارة، وأين كانوا عند الحوادث المفتعلة لإشعال الفتنة الطائفية من النظام السابق، وكان آخرها قبل سقوط النظام بعدة أيام في حادثة القديسيين.

 

بل أين كانوا حين قُتل اثنان من ضباطنا في 2006م على يد الصهاينة ثم قابل المخلوع أولمرت في اليوم التالي؟!!

 

إن الحوادث كثيرة، ولكننا لا نريد اجترار الجرائم المريرة التي ارتكبت في العهد البائد، وفي أعقاب الثورة، وكان هؤلاء الأدعياء يسبحون بحمد الحكام وبحكمتهم وحنكتهم. لم نسمع دعوة لأحدٍ منهم بالقصاص للشهداء أو أخذ حقهم، بل كانوا يدورون في فلك صاحب السلطة ويسبحون بحمده، وحين يعارضون كانوا يعارضون وفق سيناريو سابق التنفيذ.

 

ثم بدأت حملات القصف الإعلامي منذ الإعلان عن الحادث الإجرامي للإسلاميين ولأهلنا في غزة ولحماس، في محاولةٍ واضحةٍ لاستباق نتائج التحقيقات ولتضليل الرأي العام وشحنه نحو جهاتٍ بعينها وصرفه عن جهاتٍ أخرى، وتناسى هؤلاء أن المستفيد الوحيد من أحداث سيناء هو من يريد المتاجرة بالوضع الأمني في سيناء لتحقيق المزيد من المكاسب الدولية والإقليمية، وليس من يريد أن ينقذه الشعب المصري من الحصار الخانق والمميت عليه.

 

إذْ كيف لمَن فتحت لهم الحدود وأزيلت عنهم القيود، ومَن يتعبدون لله بحماية أوطانهم ويرفضون تركها بالرغم من حرب الإبادة الجماعية الظالمة عليهم أن يقدموا على خطوةٍ كتلك؟!! فهل وصل بنا الأمر لأن نأمن على أنفسنا من الصهاينة ونخاف من إخواننا؟!

 

وتزامن مع ذلك القصف الإعلامي قصفًّا موازيًّا يستهدف رئيس الجمهورية وعدم تفاعله معًا لأحداث، بل واتهامه بالمسئولية عن تلك الأحداث، بالرغم من ظهوره على الشعب في نفس اليوم معزيًا ومتعهدًا بأخذ ثأر هؤلاء الشهداء بإجراءات حاسمة تفرض السيادة على كامل سيناء وملاحقة المجرمين أينما وُجدوا، وذهب بنفسه في اليوم التالي للاطمئنان على الوضع ميدانيًّا.

 

ووصل الأمر بإحدى الصحف القومية لأن تقول في بداية خبر إدانة رئيس الجمهورية للحادث وتوعده بالرد- بعد صمت أربع ساعات علَّقت الرئاسة على الحادث- والسؤال هو هل كان لكاتب الخبر أو رئيس التحرير كتابة مثل هذا الكلام في حقِّ الرئيس المخلوع في الماضي، أو حتى على المجلس الأعلى في الوقت الراهن؟!

 

وتناسى هؤلاء أنما حدث هو نتيجة ٣٠ عامًا من الإدارة الفاشلة لموارد الدولة، وإن مبارك ونظامه كان يتعمد ترك سيناء بهذه الصورة لإرضاء القوى الخارجية بهدف البقاء في السلطة.

 

إن محاولات النيل من مكانة وقدر السيد رئيس الجمهورية باءت كلها بالفشل بفضل الله بالقرارات التي اتخذها بإقالة بعض كبار المسئولين عن الحادث وتوابعه، فالبعض للأسف لم يقرأ رسائل الرئيس بحكمة، وظنَّ أن أولياء نعمته وبعض المنتفعين من النظام السابق وبعض أركانه وبعض كوادر الدولة العميقة سيستطيعون حمايته أو دعمه، فتمادى في التخاذل عن القيام بمهام وظيفته، وتناسى قول الرئيس لا يغرنكم حلم الحليم، وتناسى إصراره وتأكيده في أكثر من مرةٍ على ضرورة الأخذ بالثأر لشهداء مصر الأبرار وملاحقة الجناة أينما كانوا.

 

فجاءت القرارات حاسمة وقاطعة تثبت لكل ذي لب عن أنه قد أصبح لدينا رئيس حين يعد يوفي بما وعد، رئيس يحترم إرادة الشعب ولا يسمح بالمساس بدمائه ولا حريته، رئيس يحمي وطنه ويدافع عنه، رئيس هو كنز إستراتيجي لشعبه لا لأعدائه.

 

فوجدنا قواتنا المسلحة تتحرك وتدك معاقل المجرمين، ووجدنا محاسبة فورية للقيادات التي لم تقم بدورها، وجدنا ولأول مرة قرارات رئاسية تتواكب مع الحدث وليس بعده بشهور أو بسنوات.

 

لقد مضى زمن الأيدي المرتعشة، وجاء زمن تعظيم إرادة الشعوب وتغليب مصالحها والسعي الحثيث لحل مشاكلها.

 

إن القرارات المُوفَّقة والرائعة لرئيس الجمهورية بإقالة عددٍ من القادة الذين لم يقوموا بدورهم المنوط بهم تستوجب علينا دعمها وتأييدها، فهي خطوة مهمة على طريق الإصلاح، كما أنها رسالة واضحة للجميع بأنه لا مكانَ لمقصر في مهامه بعد اليوم.