أبدأ بالتهنئة للصديق العزيز الأستاذ صلاح عبد المقصود؛ وزير الإعلام الجديد، وأسأل الله أن يعينه على أداء المهمة الصعبة التي يتصدى للقيام بها، في ظل مناخ عام مليء بالهواجس والتضليل والتربص بكل ما هو إسلامي أو ينتمي إلى الإسلام!.

 

الوزير الجديد تربى تربية إسلامية راقية ملتزمة، وعاش عصرًا من الجهاد والمواجهة مع خدام الشيطان، فقد تم اعتقاله ظلمًا أكثر من مرة، وذاق مرارة السجن دون جريرة إلا أن يقول ربي الله، وصودرت أو أوقفت بعض المطبوعات التي كان يصدرها، فضلاً عن مصادرة المجلات التي كان يعمل بها في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، مع ما يمثله ذلك من مسّ بلقمة العيش ومتطلبات الأسرة، ومع كل ذلك صبر وصابر حتى أنقذ الله مصر من الرّقّ، وتم تحرير الإسلام من قبضة الخونة والجلادين ولصوص الوطن!.

 

اليوم ونحن نهنئه على منصبه الجديد، لا نغفل أعباء المهمة المنوطة به، فهو يواجه أعرق مؤسسات الفساد في مصر قاطبة وهي وزارة الإعلام. هذه الوزارة لسان النظام المستبد الفاشي وصوته المشبع بالكذب والتضليل والنفاق، وهي رمز اللهو الحرام وتسطيح الوعي ونشر التغريب وتشويه الإسلام وبث الرعب من قيمه وأخلاقه وتشريعاته.. وهي قبل ذلك وبعده موطن الفساد المالي والإداري والقانوني.

 

ولا ريب أن محبي الوزير يخشون عليه من حيتان الفساد المتأصل في مبنى ماسبيرو الكئيب، فقد اعتادوا على تذوق اللحم الحرام على مدى ستين عامًا مضت، وليسوا على استعداد أن يتخلوا عن هذه الشهوة بسهولة لأنهم أدمنوها حتى صارت جزءًا من تكوينهم النفسي والخلقي والسلوكي، وما بالك بمن تعود على نهب المال السائب في الوزارة الملعونة بالألوف والملايين لعشرات السنين؟ وأقرب ما يرد إلى الذهن في هذا السياق ما يسمى الإنتاج الإعلامي، وتأتي المسلسلات الرديئة على رأس هذا الإنتاج الذي يتكلف الملايين تدفع لمن لا يستحقون!.

 

لا بد أن الوزير يعلم أن التلفزيون والإذاعة حكر منذ ستين عامًا على الموالين للنظام المستبد الفاشي في الوظائف الفنية والإدارية، وهم قلة لم يعنها صالح الوطن في يوم ما، بل كانوا ضد إرادته وحريته واستقلاله وتقدمه، وكانوا في كل الأحوال عونًا للبيادة العسكرية والبوليسية بكل غشمها وصلافتها وجبروتها، لذا لم يعرف الطريق إلى هذا المبنى إلا المنافقون والأفاقون والباحثون عن الرزق ولو كان حرامًا.

 

لقد وصلت الحال في عهد المخلوع أن تنشأ قنوات تلفزيونية إكرامًا لعيون فلان من المقربين إلى الرائد موافي أو عيون فلانة، وعرف النظام عشرات القنوات التي لا تغني ولا تسمن من فكر أو ثقافة أو خدمة إخبارية، ولكنها مجال لإهدار أموال الكادحين والبسطاء من أجل ترضية الأعوان والخدام، ناهيك عن تعيين الأبناء والبنات من أولاد المحاسيب وأقاربهم في وظائف المذيعين والمعدين، ولو كانوا لا يفقهون قولاً، ولا يحسنون نطقًا، ولا يملكون ثقافة ولا ينتمون إلى قيمة إيجابية.

 

انحدر المستوى المهني والحرفي في ماسبيرو، وأضحى ما أطلق عليه إعلام الريادة نموذجًا للحضيض الذي هبطت إليه صورة مصر الثقافية والحضارية في عيون بنيها والعالم العربي، لدرجة أن الرئيس المخلوع حين زار موقع البث لقناة (الجزيرة) في الدوحة، انبهر لتواضعه وقوة تأثيره على العالم كله، ويقال إنه عبر عما رآه بالدكان الذي يهز العالم!.

 

هذا الجيش العرمرم من الموظفين والموسومين بالعمل الإعلامي في ماسبيرو؛ تأثيرهم محدود بالقياس إلى قناة (الجزيرة) التي تضم أعدادًا محدودةً من العاملين والمهنيين، يملكون قدرة حرفية عالية وحرية كبيرة في العمل والإبداع.

 

لقد حفظ الناس الوجوه الكالحة المكررة التي تطالعهم على شاشات التليفزيون المصري، أو تطرق أسماعهم عبر موجات إذاعة القاهرة، وهي الوجوه ذاتها التي تنتقل من التلفزيون الرسمي إلى تلفزيونات غسيل الأموال، إلى تلفزيونات الطائفيين المتعصبين إلى تلفزيونات الرقص والأغاني والتسالي. إنها وجوه ظلت تعمل على امتداد النظام المستبد الفاشي، بل إنها ما زالت تطالعنا بسحناتها الكئيبة حتى اليوم، وتدعي الثورية ومقاومة الطغيان.

 

أضف إلى ما سبق جيش الأمن من رجال الشرطة والجيش السابقين الذي احتل أفراده مختلف الإدارات الإعلامية ويتقاضون مرتبات باهظة دون مقابل حقيقي!.

 

إن مهمة وزير الإعلام الجديد تبدو انتحارية، وخاصة إذا أراد أن يحقق هدفه الذي أعلن عنه بنقل الإعلام من خدمة النظام إلى خدمة الدولة، ذلك لن يرضي جيوش المنتفعين والفاسدين الذين تجذر فسادهم على مدى ستين عامًا، ولكن الوزير يستطيع بعون الله أن يواجه المنتفعين والفاسدين بالقانون، وتقليص الجيوش التي تعمر المبنى الكئيب من الذين يقبضون ولا يعملون، والعناصر التي لا تملك الحرفية ولا المهنية، فضلاً عن خدام كل عصر، وأصحاب الوجوه الكالحة المزمنة.

 

لقد بدأ بعضهم يهاجم الوزير- إرهابًا وابتزازًا!- قبل أن تطأ قدمه أرض المبنى الكئيب، فقال أحد أصحاب الوجوه الكالحة: إن الوزير الجديد متشدد، وسيصادر حرية التعبير والتفكير والإبداع، وقال بعضهم إنه بلا خبرة مع أنه صحفي وسيعيد تفكيك الإعلام وتركيبه لصالح الإخوان، وتكلم الإقصائيون الاستئصاليون فقالوا: إن الوزير سيقوم بعملية "أخونة" للإعلام! ولست أدري ماذا يقصدون بالأخونة؟ هل سيتحول عشرات الآلاف من العاملين في ماسبيرو إلى جماعة الإخوان المسلمين أم سينضمون إلى حزب الحرية والعدالة؟، أم سيحوّلون الاستوديوهات إلى مساجد ومصليات؟ لا أعرف بالضبط ماذا يقصدون؟، الذي أعرفه أنهم لم يتكلموا حين عُيّن في المنصب صحفي مغمور من حزب الوفد لا يملك رؤية ولا خبرة، ولم يتكلموا حين عين ضابط بوليس سابق في المنصب، وقدراته الثقافية والفكرية فضلاً عن الإعلامية معروفة!.

 

إنها الرغبة في التشهير والتجريح والتعطيل والإرهاب والابتزاز والتشويش على أية مشاركة إسلامية في العمل العام من جانب المنتفعين والفاسدين.

 

وزير الإعلام الجديد أمامه مهمة جليلة هي الانتقال بالإعلام المصري من إعلام النظام إلى إعلام الدولة ليكون إعلامًا حقيقيًّا يقدم الحقيقة ويخدم الشعب ولا يخدم النظام أو القلة المستفيدة الفاسدة.. وفقه الله.