بعد أن تشكلت الحكومة الجديدة التي تعتبر أول حكومة حقيقية بعد الثورة، واختلفت الآراء حولها ما بين مؤيد ومعارض، وما بين قادح ومادح، وما بين مُغالٍ في الرفض ومبرر في القبول، لا يجد أي مواطن محترم أمامه من سلوك أو قول إلا أن يعطي للحكومة فرصة ثم يحكم على أفعالها، إن أحسنت نشكرها وإن أساءت ننتقدها ونطالب بتغيير المقصرين فيها.
هذه الحكومة التي تمثل السلطة التنفيذية، والتي على رأسها فخامة الرئيس محمد مرسي، الذي يقف في وضع حساس ومرصود ومرقوب، في ظرف زمني ومكاني دقيق؛ حيث لو أنجز في شهر ما لم ينجزه غيره في سنين عددا فلن يكون محل رضا الجميع، وسوف يواجَه ـ مهما فعل من إنجازات ـ بانتقادات الأقلية التي تسمي نفسها نخبة، وهي في الحقيقة "نكبة" لمصر وثورتها، لا يعجبها العجب، ولا الصيام في رجب، فحين تشكلت الحكومة هاجت وماجت، وأعادت وأبدأت، وأرغت وأزبدت، ولم تر في الحكومة أية ميزة، بما في ذلك نسبة الإخوان والحرية والعدالة فيها، وتخصصات ومهنية أفرادها وتاريخهم.
الشعب يريد من الرئيس مرسي- رأس السلطة التنفيذية- توضيح كل اختياراته، وكل خطواته، وأفعاله لما يمكن أن يكشف عنه أو يفصِّل فيه ويحكي تفاصيله بما لا يؤثر على الوضع الحالي، فنحن نقدر أن هناك من المواقف والاختيارات ما لا يمكن إعلان أسبابه، وما لا تكون الشفافية فيه في صالح مصر، أو تكون عدم الشفافية فيه هي الشفافية بعينها.. لكن هناك مواقف كانت تحتاج لبيان وتوضيح أكثر حتى نقطع الطريق على أصحاب الأقلام وأصحاب الأفواه ..
كما يعز على كثير من المصريين- وأنا منهم- أن يترك الرئيس المتطاولين عليه والمهينين له في غيهم يعمهون، وفي جرائمهم مستمرين دون أدنى عقاب أو ممانعة رادعة تردعهم عن إهانة رأس الدولة الذي جاء لأول مرة باختيار الشعب، ومن ثم تكون إهانته أو التطاول عليه إهانة لشعب مصر في الداخل والخارج، ونحن هنا يجب أن نفرق بين المعارضة الشريفة والنقد البناء، وهو حق مشروع، بل واجب وطني شريف يجب أن يقوم به الجميع، وبين التجريح والإهانة والتطاول، فضلا عن الوقاحة والسفالة والانحدار في هاوية سوء الأدب وبذاءة اللسان.
إنني أرجو بل أطلب من فخامة الرئيس محمد مرسي، رأس السلطة التنفيذية، والدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء الجديد، وحكومته الجديد عددًا من الرجاءات، وهم لا يزالون في بداية مشوارهم في أداء مهمتهم الصعبة والثقيلة بل الشاقة والمعقدة:
أولا: يجب على كل وزير أن يعلن للشعب تقارير تصف الواقع الذي عليه وزارته بما فيه من خراب ودمار وفساد، أو ما فيه من صلاح وعمار ووجدان، وهذا يضع الشعب في قلب المشهد، ويطلعه على حقيقة ما تعاني منه كل وزارة، وواقع العاملين فيها، ومن هنا يستطيع الشعب فضلاً عن العاملين في كل وزارة أن يتفهموا وضعها، ويستوعبوا واقعها، وهذا يحملهم على الصبر والتحمل وإرادة التغيير والإصلاح.
ثانيًا: أن يسارع كل وزير إلى تشكيل فريق يخلو من الفاسدين والمرتشين الذين أفسدوا كل وزارة، وبددوا ثرواتها، ونهبوا خيراتها حتى امتلأت بيوتهم من السحت، وانتفخت كروشهم من الحرام إلا من رحم الله، وهذا الفريق سوف يساعده على إنجاز ما يريده في أسرع وقت وبأقل جهد ومال، رغم صعوبة تشكيله.
ثالثًا: أن يسارع كل وزير بوضع آلية إطفاء الحرائق الموجودة في كل وزارة، جراء عقود من الزمان فسادا واستبدادا وتخلفا، بل يحاصر هذه الحرائق قبل أن تندلع ويعمل على إخمادها أبد الدهر، كما ينبغي أن يضع خطة مستقبلية للعمل في الوزارة تكون بمثابة البرنامج الذي يجب تنفيذه، ويعلنه للشعب ممنهجا ممرحلا واضحا حتى يلتزم به كل العاملين في الوزارة ويتمثلوه تطبيقًا وواقعًا عملية، ليترتب عليه الثواب والعقاب.
رابعًا: أن يعلن كل وزير أي إنجاز تم في أي وزارة للشعب في ضوء خطته الزمنية الآنية أو المستقبلية والتي يجب أن تكون مؤازرة ومعاونة لبرنامج الرئيس، حتى يقف الشعب على كل جديد، ويطلع على كل إنجاز، وهذا يعمل على تمتين الثقة والمصداقية والشفافية بين الشعب وسلطته التنفيذية.
خامسًا: أن تقوم وزارات: الإعلام والاستثمار والعدل بالواجبات والتدابير الحازمة والناجزة ضد كل من تسول له نفسه أن يثير الفتنة في البلد، ويعرقل مسيرتها، ويقطع الطريق على استكمال العملية الديمقراطية والحفاظ على الحرية المنضبطة؛ لأن ترك الحبل على الغارب لهؤلاء- وما أكثرهم- ليس في صالح الرئيس المنتخب، ولا حكومته الجديدة، وليس- من ثَمَّ- في صالح مصر.
إنني أرجو أن يتعاون الجميع، وأن يعمل الجميع ويتكاتف الشعب بكل فئاته وأطيافه، وينزل الجميع ميدان العمل المستمر والجهاد المتواصل مع ممارسة النقد البناء والمعارضة الفاعلة، بدلا من أن يجلس البعض في الغرف المغلقة المكيفة ممارسا للتطاول ومستخدمًا البذاءات والألفاظ النابية التي هي في النهاية تسيء إليهم، وتعمل على تشويش المشهد وتكديره بما يعود على الوطن في النهاية بالضرر الذي أرجو أن يكون سحابة صيف ثم تنقشع، وتتم محاصرته والقضاء عليه أمام الأيدي الفاعلة والعقول البنَّاءة التي تعمل لمصر ولصالح خير مصر ونهضتها.
-----------
* رئيس مركز بناء للبحوث والدراسات